السؤال
يثير بعض الباحثين والمفكرين إشكالاً حول مسألة الولاية والبراءة من المشرك غير المسلم، لا سيما من لم يعلم عداؤه للمسلمين، مع تضامنه مع قضايانا الإسلامية، أو كثرة نفعه للبشرية، بل قد يصل الحال بالبعض إلى تفضيله على المسلم قليل الأثر؟
الإجابة
مصائر العباد بيد الله سبحانه، والله يعلم ما تخفي الصدور، وهو عدل لا يظلم أحداً شيئاً، وما من أحد إلا سيوفى ثواب أو جزاء عمله، إن عاجلاً أو آجلاً، وهذا هو مقتضى العدالة الإلهية، ونحن لا نعلم ما في نفس هذا الشخص وهل قامت عليه الحجة أم لا، وإنما حسبنا أن نقيم كتاب الله عز وجل وأن نقيم سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فنأتمر بأمر الله ونحن موقنون أنه حق وصواب، ونمتثل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم متى ما ثبت عندنا معتقدين صوابه وأنه الحق الذي لا يجوز خلافه، ومسألة البراءة من غير المسلم مما ثبت بالأدلة القطعية الكثيرة في كتاب الله عز وجل، فهي ليست مسألة اجتهادية أو مسألة ثبتت بأدلة ظنية، وإنما ثبتت بأدلة قطعية في كتاب الله عز وجل وصارت من المعلوم بالضرورة عند عامة المسلمين وخاصتهم، كقول الله تعالى: 'يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ' وكقوله تعالى: 'لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ' الآية، وكقوله تعالى: 'يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ' وكقوله تعالى: 'يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ' وكقوله تعالى: 'يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ' والآيات في هذا السياق كثيرة جداً، والولاية خاصة بأهل الصلاح فيشترط في من يواليه الإنسان ويحبه أن يكون صالحاً في دينه بأن يكون على ملة التوحيد وأن يكون في ظاهر الأمر موفياً بما يجب عليه تاركاً لما حرم الله عليه، فمن كان كذلك فهو ولي لنا في الظاهر والله يتولى سريرته، ومن كان على خلاف ذلك وثبت عندنا فعله للكبائر وأعظم الكبائر هو الشرك بالله أو عدم الإيمان بالله ويدخل ثم بعد ذلك بقية الكبائر فمن ثبت عندنا إقامته على الكبائر فهو يجب علينا أن نتبرأه، ومسألة الولاية والبراءة ليست مسألة عاطفية تخضع للمزاج أو للتقييم الشخصي وإنما هي مبنية على قواعد شرعية مقررة في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والمؤمن الذي رضي بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً عليه أن يسير وفق هذه القواعد المقررة في باب الولاية والبراءة وأن يدع العاطفة جانباً ولا يلزمه أن يقطع بمصير أحد، فإن هذا المشرك الذي هو مقيم على الشرك نتبرأ منه بالظاهر بما ظهر لنا من حاله، أما ما يختم الله له به من صلاح وفساد وخير وشر فذلك أمره بيد الله العالم بالسرائر، وبهذا يجنب الإنسان نفسه الوقوع في الإشكالات أو المخالفة للأحكام القطعية المقررة في كتاب الله عز وجل وينهج نهج الجادة القائم على أنه إنما يتولى المتقين الصالحين وما عدا ذلك فهو إما في الوقوف أو في البراءة، فمن لم تقم عليه الحجة بحاله أبقاه في الوقوف ومن قامت عليه الحجة بحاله من فعله من وقوعه في الشرك أو فعله للكبائر فهذا يتبرأ منه، وأما المصير الأخروي فكما تقدم فهو بيد الله وحده، نسأل الله العافية والسلامة والله تعالى أعلم.
المفتي
فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
تفريغ لجلسات افتاء للشيخ الدكتور إبراهيم بن ناصر الصوافي
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- حكم الترحم على موتى المسلمين من غير معرفة فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- دليل وجوب الولاية والبراءة الظاهرية مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- الحب الإنساني مع مختلف الأديان الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- التعامل مع المقربين المصرين على الكبائر مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- الحكم على الناس بالنفاق من أفعالهم مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي