بيع القسيمة الشرائية بأقل من قيمتها

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#المعاملات 2026-11-04

السؤال

شخصٌ حصل على كوبون قيمته أربعون ريالاً، هل يجوز أن يبيعه لأخيه بقيمة ثلاثين ريالاً؟ لأنه ليس له حاجة أن يشتري من المحل. هل يجوز؟

الإجابة

الظاهر أنه يسأل عن القسائم التي تكون محددة القيمة، وفي الغالب هي أيضاً محددة المحل، الدكان الذي يرخّص له أن يشتري منه. لنعرّف هذه القسائم أولاً، أقرب ما يمكن أن توصف به أنها وثيقة لإثبات حقه في حدود سعرٍ محدد للشراء من محلٍّ محدد، هي وثيقة أو خطاب أو صك لإثبات حقه في أن يشتري سلعاً من مكانٍ ما بسعرٍ محدد، هذا هو معناها. الآن ما هي؟ هل هي، هل يمكن أن تُعدّ أن تقوم مقام الأثمان؟ فهي تُعامل معاملة الأوراق النقدية؟ أو أنها تقابل أو تقوم مقام سلعٍ محددة من مكانٍ محدد؟ لا يمكن أن نقول أنها يمكن أن تُعامل معاملة الأوراق النقدية، لأنها محددة بالشراء من محلٍّ مخصوص، وفي الغالب هي أيضاً حتى في داخل ذلك المحل لبضع بضائع وسلعٍ محددة، ولعلها في أجلٍ محدد، وهي ليست لا تقوم مقام النقد بحالٍ من الأحوال، فلا هي بفاشيةٍ بين الناس ولا يمكن أن تُصرف في محلات الصرافة ولا تقوم في مقام المعاوضات إلى آخر الأحكام الشرعية المتعلقة بالأوراق النقدية التي تقوم مقام النقدين. فهي إذاً تقوم مقام السلع والخدمات، حتى نفهم تكييفها، السلع والخدمات تقوم أو تكون بمثابة السلع والخدمات المحددة المسماة في هذه الوثيقة، وغالباً تكون من محلٍّ مخصوص. هذه إذاً الآن نتبين الحكم الشرعي، فيها خلاف عند العلماء المعاصرين ووُجد لها نظير أيضاً عند العلماء المتقدمين، لكن القول الراجح أنه لا يصح بيعها، وذلك لأنها هبة من الجهة التي وهبت للموهوب، لكنها لم تُقبض بعد، والجمهور يشترطون في الهبة القبض، ويستدلون لذلك بجملة أدلة من أشهرها حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال لأم سلمة حينما أرسل بعث بهدية إلى النجاشي ثلاثين أوقية مسكاً، فقال: إني لأرى -قال لأم سلمة- إني لأرى النجاشي قد مات، وما أرى هديتي إلا مستردة، فإذا ردت فهي لكِ. فلأن النجاشي قد مات فإن الهدية لم تقبض، وأعيدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا لا وجه للرجوع في الهبة. ولذلك وعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة رضي الله تعالى عنها. وهذا نجده أيضاً في قصة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مع عائشة حينما لم تقبض ما أعطاها إياه، فقال: يا بنية إنكِ لم تقبضيها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس معك، وفي بعض الروايات عن بيع ما لم تقبض. وهذا وإن كان في البيوع، وبعض الفقهاء يحمل أن هذه جاءت هبة أعطيت له من جهة عمله أو من مؤسسة ما، إلا أنه يبيعها وهو لم يقبض بعد ما تمثله، قبض مجرد وثيقة وعد بأن يأخذ.

إذاً الدليل الأول يدور حول بيع ما لا يملك الإنسان، فملكيته لما تمثله تلك الوثيقة ناقصة غير مستقرة، لم يقبض بعد، لم يتملك حتى يمكن له أن يبيع. والسبب الثاني الجهالة، وإن كان بعض المعاصرين حاول أن يقلل من أمر الجهالة هنا، لكن الصحيح أن الجهالة غير مغتفرة، فالغرر الذي يمكن أن ينشأ هو غرر كبير، فهي وإن كانت محددة القيمة إلا أن كثيراً من المحلات تشترط أن تكون في سلع مخصوصة، وفي آجال زمنية مخصوصة، وقد تكون عرضة لأن تشتمل أيضاً على ذهب أو فضة أو على ما يشترط فيه التقابض يداً بيد، أو البيع مثلاً بمثل. إذاً الغرر والجهالة فيها واضحة، ولا يمكن أن يتساهل، عُلم من الشرع أنه لا يتساهل في مثلها من الأحوال.

ثم هناك رواية أو أثر رواه الإمام مالك في الموطأ ورواه غيره أيضاً، أن مروان بن الحكم دفع إلى الناس صكاكاً وبعضهم يقول صكوكاً، فأخذ الناس يتبايعون صكاكاً من طعام الجار، والجار مدينة أو مكان على ساحل البحر يجمع فيه الطعام، فكان يكتب لهم صكاكاً بأنصبتهم من الطعام، فتبايع الناس تلك الصكاك، فدخل زيد بن ثابت -في رواية الإمام مالك ورجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- وقالا لمروان: تركت الناس يتبايعون بالربا! قال: وما ذاك؟ قالوا: فإن الناس يتبايعون الصكاك. فأمر حرسه أن يأخذوا الصكاك من أيدي الناس. ورد في رواية أخرى أن أبا هريرة أيضاً دخل على مروان وقال له ما قال زيد بن ثابت: تركت الناس يتبايعون بالربا! فهذا الأثر يستأنس به في بيان أن هذه المعاملة معاملة يكتنفها الربا، معاملة ربوية، أنها تعامل بالربا.

هناك من المتأخرين من أجاز وقال بأنه يغتفر في الهبة ما لا يغتفر في عقود المعاوضات، فلا يشترط القبض، ولا يشترط الملك التام، وحملوا هذا الأثر الذي حصل في زمن مروان على البيع الثاني، لا على بيع من وُهب بداية، وإنما أولئك الذين اشتروا من الموهوبين أخذوا أيضاً يتبايعونها فيما بينهم، فحملوا الإغلاظ على هؤلاء لا على من باعوا أولاً، لكن هذا فيه من التحكم ما لا يخفى، وهذا المعنى الذي يمكن أن يكون هؤلاء قد لاحظوه في البيع الثاني والثالث معنى موجود متحقق أيضاً في البيع الأول، ولذلك فالخلاصة أنه لا يصح أن تباع هذه القسائم قبل تملك السلع والبضائع التي تمثلها من تلك المحلات المخصوصة، والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

بيع القسيمة الشرائية بأقل من قيمتها
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي