دعوى وجوب الصوم على الحائض من القرآن

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

السؤال

أحد الباحثين ظهر مؤخراً في التلفزيون وسُئل عن المحيض والحيض، وهل يمكن للحائض أن تصوم؟ فبدأ ينظر في آيات القرآن الكريم فوجد أن المحيض بمعنى هو المكان، ووجد أن المريض، زين، الحائض ليست مريضة، وقام يستنطق بعض الآيات واستخلص نتيجة أن المرأة ليست ممنوعة من الصيام والصلاة، المرأة الحائض ليست ممنوعة من الصيام والصلاة. ما الذي كان ينقصه قبل أن يعلن نتيجة ما توصل إليه؟ [وتوصل إلى وجوب الصوم على الحائض.]

الإجابة

ينقصه العقل أصلاً، ولذلك وصل إلى هذه النتيجة المناقضة لكتاب الله عز وجل ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما عليه المسلمون قاطبة. ربنا تبارك وتعالى يقول: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}. والغريب في هذه الآية الكريمة أنها تجمع بين أمرين: بين مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى معارضته ومخالفته والبعد عن منهجه وهديه عليه الصلاة والسلام، وبين اتباع غير سبيل المؤمنين، والمؤمنون هم المؤمنون الذين استجابوا لله تبارك وتعالى ولرسوله، فيقول: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ}، فالعاقبة: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}. والذي فاته العلم أصلاً، فلئن كان السبب الأول نقصه العقل فقد نقصه العلم أيضاً، لأن هذه الشريعة لها مصادر، ومصادرها مع كتاب الله عز وجل أو بعد كتاب الله عز وجل السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يأتي بعد ذلك الإجماع، ومع التفاصيل الكثيرة في الإجماع إلا أن هناك نوعاً من الإجماع اتفق عليه العلماء جميعاً من مختلف المذاهب الإسلامية، بحيث إنهم فسّقوا من يرده، وهو إجماع الأمة بمؤمنيها وفاسقيها، بعلمائها وجهالها، وسنأتي إلى بيانه في هذه القضية. أما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه أهل الصحاح وأهل السنن والمسانيد من طريق أبي سعيد الخدري في حديث شهير، حديث ناقصات عقل ودين، فلما سألنه عليه الصلاة والسلام عن نقصان العقل والدين، قال: «أليست شهادة المرأة على نصف شهادة الرجل؟»، ثم قال: «فذلك نقصان عقلها»، وأما نقصان دينها فقال: «أوليست إذا حاضت إحداكن فإنها لم تصل ولم تصم؟». هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إثبات أنها في حالة حيضها فإنها لا تصلي ولا تصوم. وقد سألت، وكان هذا الأمر شائعاً مستفيضاً لدى أمهات المؤمنين ولدى نساء المؤمنين جميعاً، ولذلك سألن عن القضاء ما الذي يقضينه، فقالت إحداهن، معاذة سألت السيدة عائشة، والحديث أيضاً في الصحاح والسنن والمسانيد من عدة طرق، أوصلها بعضهم إلى حد الاستفاضة وبعضهم قال بالتواتر، أن السيدة عائشة قالت: «كنا نؤمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يأتينا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا نؤمر بقضاء الصيام ولا نؤمر بقضاء الصلاة». فهذا هو حديث آخر يدل على عدم وجوب الصيام بل منع الحائض من الصيام ومن الصلاة وأن عليها قضاء الصيام دون الصلاة، وهذا ما كانت عليه أمهات المؤمنين وما كانت عليه نساء المؤمنين في القرن الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع وهكذا أجمعت هذه الأمة قاطبة. فالإجماع قائم على عدم جواز صيام المرأة الحائض ولا النفساء وعدم جواز أدائها للصلاة. ولذلك حتى لا يقال بأن المستند إنما كان هو بعض الروايات ويأتي من يقول بأن هذه الروايات إنما هي لا تعود إلى شيء في كتاب الله عز وجل، لا، هذه الروايات تنشئ أحكاماً شرعية منها ما يبين ما في كتاب الله عز وجل مما يتعلق بأحوال الحيض والنفاس، بأحكام النساء المسلمات في هذه الأوضاع التي يكنّ فيهن، ومنها، أي مع هذا الدليل، إجماع المسلمين قاطبة. لكن من باب المحاجة، وليأذن لي أهل العلم، ليأذن الراسخون في العلم في أن تكون المحاجة على نفس المنهج الذي يتبعه أمثال هؤلاء الذين يدعون هذه الدعاوى، فإن منع الحائض من الصوم موجود في كتاب الله عز وجل. يقول ربنا تبارك وتعالى في نفس الآية التي احتج بها: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}. فثبت هنا عدم جواز غشيان المرأة حالة الحيض لأنه أذى، {فَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}. فصار معلوماً مستقراً عدم جواز إتيان الرجل لامرأته حالة الحيض بنص كتاب الله عز وجل، ثبت ذلك. نجد في آيات الصيام: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}. هذه الآية الكريمة تتحدث عن أحكام الصيام، تخاطب من؟ تخاطب المخاطبين بالصيام بدليل أن السياق القرآني ابتدأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}. هؤلاء الصائمون الآن مأذون لهم بمباشرة نسائهم ليالي الصيام، مع أنهم منهيون عن إتيان نسائهم حالة الحيض، فإذا كانت هؤلاء الحيّض صائمات فكيف يباح لهم أن يباشروهن في ليالي الصيام؟ دل ذلك على أنهن غير صائمات، لأن الآية الكريمة تتحدث مرة أخرى للتوضيح، هذه الآية الكريمة تبيح للصائمين، للمؤمنين المخاطبين رجالاً ونساءً، فليس الخطاب خاصاً بالرجال لأنه قال: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}، وقال: {أُحِلَّ لَكُمْ} أنتم أيها المخاطبون، وقال فيما بعد: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}، فاستثنى من هذه الإباحة حتى مع هذه الإباحة في ليالي الصيام استثنى منها حالة الاعتكاف، قال: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}. إذاً من هم هؤلاء المشمولون بهذه الأحكام؟ الصائمون من الرجال والنساء. إذاً لو كانت الحائض تصوم هل يشملها هذا الحكم؟ لا يشملها، دل ذلك على أنها لا تصوم لأن الله تبارك وتعالى أصلاً نهى وعرّف المؤمنين بعدم جواز قربان نسائهم حالة الحيض. ولا يقال بأن آية {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} مخصصة لهذه الآية الكريمة لأن هذا تحكماً، لمَ لا تكون هذه الآية الكريمة مخصصة لآية الحيض؟ فهذا كما قلت من باب التنزل في المحاجة مع أمثال هؤلاء لنجد أن القرآن الكريم يشير إشارة صريحة إلى أن الحيّض من النساء ذوات الأعذار لا يصمن، وإلا فلو كان الحال كذلك فإنهن حينئذ سيكونن مشمولات بهذه الإباحة في إتيان النساء في ليالي الصيام في غير حالة الاعتكاف. هل واضح؟ حتى يعني ننفي عن الناس وكثير من هذه الشبهات التي يطرحونها نجد أن القرآن الكريم بمثل وسائل الحجاج التي يتبعونها نجد أن القرآن الكريم قد تكفل بردها عليهم وأن الحق هو ما استقر عليه هذا الدين وما ثبت في كتاب الله عز وجل وما ثبت في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولأضرب بعض الأمثلة إذاً لأختم فقط باختصار شديد في هذه الحالة، صوم هؤلاء الذين يدعون مثل هذه الدعاوى ليست فيه صلاة قيام، لأن صلاة القيام لا ذكر لها في كتاب الله عز وجل، ولا ينهى الصائم عن صوم يوم العيد لأن حرمة صوم يوم العيد لا نجدها في كتاب الله عز وجل، ولا صدقة فطر، زكاة أبدان، من حيث الأصل يعني من باب أولى من حيث المقادير، لا، حتى من حيث الأصل، ولا يتأول لنا بآيات عامة لا دلالة ناصة لها في فطرة الأبدان. هذا هو نوع الصوم الذي يقول به أمثال هؤلاء، ومع ذلك كما تقدم فإن أمثال هذه الشبهات والأباطيل حينما يتلقاها المؤمن وتحيك في صدره فليعلم أن هذا من الإثم، فإن الإثم ما حاك في الصدر، وأما البر فإن النفس تطمئن إليه، ولا ينبغي للمسلم أن يفتن بأمثال هذه الدعاوى، ينبغي أن تكون له ركيزة من علم وأن يتبصر أحكام دينه وألا يأخذه من أمثال هؤلاء الذين يدعون إلى الباطل والعياذ بالله.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

دعوى وجوب الصوم على الحائض من القرآن
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي