دراسة العلوم الشرعية والاجتهاد في التخصّصات الأخرى

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الأخلاق 2026-11-04

السؤال

شيخنا، في تدريس الطلاب خاصة في هذه المراكز الصيفية والحلقات العلمية، سواء كانت صيفية أو علمية مستمرة -وهذا أيضاً شق في السؤال- ينشأ الطالب نشأة علمية متعلقة بالعلوم الشرعية وما حولها من العلوم، فنشأته تلك في العلوم الشرعية هل فيها تعارض مع التخصصات الدراسية التي يدرسها في المدرسة؟ وهل دراسته للعلوم الشرعية هذه مبرر له بأن يتكاسل عن الاجتهاد والتقدم والتنافس في بقية العلوم والتخصصات الأخرى؟

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، سيد الأولين والآخرين، وخاتم النبيين والمرسلين، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، وعلى كل من سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نحمد الله تعالى على التوفيق لهذه الجلسات طول الفترة الماضية، فلا شك أن ذلك فضل من الله عز وجل لما تقدم من مكانة العلم وعظيم أجره، فتدارس كتاب الله عز وجل يكون معه تعرض لرحمة الله عز وجل وإحاطة بملائكته، فضلاً عن الأجر الذي يناله من أخلص في ذلك نيته لله عز وجل.

على كل حال، قد سبق التنبيه على أن كل علم مأذون به شرعاً هو علم شرعي، فالتقسيم الذي يحصل للناس اليوم أن يقال هذا علم ديني وهذا علم غير ديني، هذا تقسيم علماني أتت به الحضارة الغربية، وإلا فإن كل علم ينتفع به الإنسان هو علم مأمور به شرعاً، لأن الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان خليفة في هذه الأرض، وله بسبب ذلك مكانة عظيمة، فكل ما يعين الإنسان على قيامه بواجب الخلافة فلا شك أنه مأمور به شرعاً، بل قد يكون واجباً، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويؤجر ولا شك بسبب ذلك عليه إن طلبه عند الله سبحانه وتعالى.

فعناية الإنسان بصحته، بتغذيته، يدخل في حفظ النفس، وهي إحدى مقاصد الشريعة. والعناية بمعرفة سريان الفلك مثلاً من شمس وقمر وما يتعلق بالأرض، لا شك أن ذلك واجب أيضاً، لأنه تترتب عليه المحافظة على عبادات تُعد من أركان الإسلام، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}، وكذلك {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)}، وما يتعلق باستقبال القبلة {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}.

فالعناية بهذه الأمور فرض شرعاً، تارة يكون فرضاً عينياً وتارة يكون فرض كفاية. وهكذا ما يتعلق بتبادل المنافع مما يدخل في البيع والشراء ونحو ذلك، وما يتعلق بالزراعة والصناعة وغيرها، فهذا له تعلق بقيام الدول والحرب أو الجهاد، وكذلك علم الإدارة، فضلاً عن علم التربية، فكل هذه العلوم مما سمينا وما لم نسمِّ يدخل في العلم الشرعي، إلا أن يكون ممنوعاً شرعاً كتعلم السحر، أو أن يكون فيه مضرة على الإنسان، فهناك يُمنع تعلمه، إلا أن يكون تعلم ذلك الضار لأجل الوقاية منه، فينقلب إلى كونه علماً مطلوباً أيضاً لأجل الحذر منه ومعرفة الأسباب التي قد تؤدي إلى هلاك الإنسان، أو يُتعلم كيفية الخلاص منه فيمن وقع عليه من الناس ضرر.

فإذاً على هذا هذه كلها علوم شرعية. نعم، يُقدم العلم الذي يكون أوثق صلة أو يكون أكثر مباشرة بما يتعلق بمعاني كتاب الله عز وجل ومعاني سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا ما يُعرف بمراتب العلوم أو بفنون العلم، فيكون شرف العلم بقدر شرف موضوعه، فيُقدم بعض العلوم على بعض، فهنا يقال هذا العلم الفلاني مقدم على غيره.

ومما ينبغي أن يُعلم أن الله سبحانه وتعالى قال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، هذه الجملة ذكرها في سياق التفكر في ملكوت السماوات والأرض وذكر آيات الله تعالى المنبثة في هذا الكون، وهذا يعني أن أولى الناس بحصول هذه الخشية هم الذين تخصصوا في هذه المجالات، وهذا يعني أن طلب هذه الأنواع من العلوم لا يتنافى مع دين الله عز وجل، ولا يتنافى مع تقواه سبحانه إن أخلص القائم بها نيته لله عز وجل، وانتفع بهذا العلم فيما يؤدي إلى زيادة إيمانه وقيامه بواجب التمكين في هذه الأرض، فلا ينبغي أبداً للمتخصصين في هذه المجالات أن يشعروا بأي تأثم حين يطلبون هذه العلوم مع هذه الشروط. نعم، إن أرادوا بذلك الدنيا فإذاً أُتوا من هذه الناحية، فكان طلبهم للعلم لأجل شيء دنيوي لا لله سبحانه وتعالى.

المفتي

الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري
الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري

الشيخ د. عبدالله بن سعيد بن خلفان المعمري (مواليد 1972) محاضر سابق في في كلية العلوم الشرعية بعُمان ومتخصص في القرآن وعلومه؛ تخرج من معهد القضاء الشرعي والوعظ (1994)، ونال الماجستير من جامعة آل-البيت بتخصّص «القرآن وعلومه» ثم حصل على الدكتوراه من جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة. يبدي نشاطًا دعويًا وعلميًا متواصلًا (خطب الجمعة، محاضرات وكتب ومحاضرات مسجّلة على قناته)، أنشأ معهد النجاح للإدارة والتدريب. وله مساهمات في التدريس والبحث في أصول الدين والتفسير. 

📺 شاهد الفتوى

دراسة العلوم الشرعية والاجتهاد في التخصّصات الأخرى
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي