فهم آية «ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم»

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-11-06

السؤال

أنتم تعلمون تماماً أن الدول المستعمرة تنساح لاجتياح الشعوب باسم الدين أحياناً وتبحث في نصوصها المقدسة ما يؤيد هذا الانساح بزعم أنها تطهر الأرض من الآثمين. لكن أن يستند بعض المحتلين على كتاب الله تعالى ويزعمون أن الله تعالى فضلهم على العالمين وأن ذلك يبوئ لهم مكانة احتلال أماكن مقدسة، فهذا يحتاج المسلم فيه إلى معرفة وبينة. لنقرأ هذه الآية التي أرسلها الأخ: «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا»، لاحظ أن الله تعالى جعلهم ملوكاً في الآية، «وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ». بموجب الفهم الظاهري لهذه الآية أن الله تعالى فضل بني إسرائيل وجعلهم ملوكاً وقدر لهم أن تكون الأرض المقدسة وهي القدس من نصيبهم. هل هذا الفهم صحيح؟ هل ما يروج له من أن الأحقية التاريخية والدينية لهم؟

الإجابة

لا، ليس هذا الفهم بصحيح بل هو فهم سقيم، وهو لي لآيات الكتاب العزيز. حينما قال الله تبارك وتعالى على لسان موسى عليه السلام: «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ»، هذا في سياق الامتنان، فموسى عليه السلام الآن في سياق مخاطبته لقومه مذكراً إياهم بالنعم التي امتن الله عز وجل بها عليهم، وذكر ثلاث نعم، هذه النعم ابتدأها بقوله: «إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ»، ثم قال: «وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا»، ثم قال: «وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ». النعمة الأولى التي ذكرها، وهذه هي أصول النعم التي تندرج تحتها كثير من الجزئيات وفروع الآلاء والنعم التي امتن الله عز وجل بها على بني إسرائيل، «إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ»، فموسى عليه السلام الذي يخاطبهم يبلغهم هو نبي كريم وهم يعلمون ذلك ويعظمونه، ومعه أخوه هارون، وقيل بأنه في وقته، في وقت موسى، هناك الكثير من الأنبياء، وبعد موسى وهو يهيئهم لما سيكون عليه حالهم يذكرهم بنعمة الله عز وجل عليهم الممتدة. ولذلك كما نفهم من كتاب الله عز وجل نجد أن أكثر الأنبياء إنما بعثوا في بني إسرائيل، ولذلك ورد كثيراً دائماً معاتبتهم بإعراضهم عن أنبيائهم، «أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ»، وكلمة كلما توحي باستمرار بعث الله عز وجل لهم الأنبياء والرسل تترى. هذه هي المنة الأولى، ولا ريب أن هذه نعمة عظيمة، ففي الوقت الذي كانت فيه شعوب وأمم وقبائل سواهم في تيه وضلال وغواية امتن الله عز وجل عليهم بنعمة بعث الأنبياء والرسل فيهم. هذه هي النعمة الأولى. النعمة الثانية: «وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا»، وكلمة ملوك أشكلت على بعض المفسرين مع أن أصلها اللغوي تعني من يملك أمره، من هو مستقل حر متصرف في شؤون نفسه وأهله، هذا من المعاني اللغوية لكلمة الملك. وهو يذكرهم بذلك لأنهم كانوا مستعبدين أرقاء عند فرعون مصر، فيذكرهم بذلك أن أعطاهم حريتهم وأن هذه الحرية التي حظوا بها هي من أعظم النعم إذ استقلوا في تدبير شؤونهم وفي رعاية أحوالهم والنظر في مصالحهم في وقت كانت شعوب غيرهم فيها تئن تحت نير الاسترقاق والعبودية. وقال بهذه الصيغة: «وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا»، مع أنه قال: «جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ»، ثم قال: «وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا»، ولا يعقل بالمفهوم الذي يمكن أن يتبادر إلى أذهان كثير من الناس أنه نصبهم حكاماً، أن يكونوا جميعاً حكاماً، فمن المحكومون إذاً؟ ولذلك فمعنى «وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا» هو المعنى المتقدم، وجاءت متوسطة بين النعمتين المتقدمة والمتأخرة لإظهار أهميتها لأن أمر الاستقلال والحرية والخلاص من العبودية والتمكن من إدارة شؤونهم وتدبير أحوالهم ورعاية مصالحهم كان من أعظم النعم التي امتن الله عز وجل بها عليهم بعد ما أرسل إليهم الأنبياء والرسل. «وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ»، النعمة الثالثة، أي فضلكم على عالمي زمانكم ومكانكم، لا على العالمين على الإطلاق. فأنتم بما تقدم من نعم وبنعم أخرى تعرفونها وهو يذكرهم بها، فأنتم أفضل أهل زمانكم المفترض، أنتم أفضل أهل هذا الزمان وأهل هذه الأرض التي أنتم فيها، بماذا التفضيل؟ لو أردنا نحن ولو إجمالاً، فقد أنزل الله تبارك وتعالى عليهم المن والسلوى وظلل عليهم الغمام وآتاهم الكتاب ومكن لهم في الأرض، هذه كلها من النعم التي فضلوا بها على سائر الأمم والشعوب من عالمي زمانهم ومكانهم، من عالمي شعوب ذلك الوقت في ذلك الزمان. الآية التي جاءت بعدها هي مرتبة مبنية على هذه الآية المتقدمة، فإن هذه، هذا الامتنان عليهم هيّأ لتكليفهم بأمرٍ رباني على لسان موسى عليه السلام حينما قال لهم: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم}، والآية واضحة الدلالة، أي بعد هذا الامتنان وجب عليكم الآن السمع والطاعة، كما قال الله تبارك وتعالى لأهل مكة: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف}، هنا قدّم عند بني إسرائيل قدّم الامتنان بالنعم وأخّر التكليف، الآن ما هو هذا التكليف؟ ينبغي لنا أن نفهم أنه تكليف، قال: {ادخلوا الأرض المقدسة}، الأمر واضح، {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} دخولها، التي ألزمكم دخولها، هذا هو المقصود، أي كلّفكم بدخولها، لا يُقصد أبداً التي كتبها لكم على سبيل التمليك، على سبيل الاستحقاق، وإنما على سبيل التكليف بدخولها، ومع ذلك تلكّؤوا ورفضوا الدخول، فهذا هو المقصود أن هذا إنما هو تكليفٌ من الله تبارك وتعالى على لسان موسى بأن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله تبارك وتعالى، كتب لهم دخولها، ألزمهم بدخولها، هذا هو المقصود والله تعالى أعلم. قطعاً، قطعاً ليس كما يتبادر أو يحاول بعض الأعداء أن يروّج له.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

فهم آية «ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم»
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي