السؤال
ما هي أحكام صلاة السفر؟
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، اجعل لنا كل صعب سهلاً، أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا السؤال عام يحتاج إلى دروس، فأحكام صلاة السفر كثيرة، فأرجو أن يحدد السؤال، لكن آخذ منه سؤالاً واحداً حتى يلتئم مع السؤال التالي الذي بعده، وهو عن حكم صلاة السفر. قصر الصلاة الرباعية في السفر واجب عندنا وعند طائفة من أهل العلم من المذاهب المختلفة، فهو الذي ذهب إليه طائفة من الصحابة رضوان الله عليهم، كما روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وابن مسعود وطائفة من الصحابة، بل حكى عليه الشيخ خليل بن أحمد السهارنفوري وهو من علماء الحنفية في كتابه القيم بذل المجهود في حل سنن أبي داود إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، وذهب إليه الإمام جابر بن زيد وأبو عبيدة والربيع وغيرهم من أصحابنا، فهو قول أصحابنا قاطبة، وقال به من التابعين الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وهو قول أبي ثور وإسحاق ورواية عن طائفة من علماء الأمة، وحكاه ابن القيم عن الإمام مالك، أو رواه عن الإمام مالك، وقال به الحنفية، وقال به أيضاً ابن حزم الظاهري، وذهب إليه ابن تيمية أيضاً في بعض فتاواه وابن القيم كما في زاد المعاد وطائفة من المتأخرين، ويقول السيد محمد رشيد رضا في هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه كان يصلي الظهر والعصر والعشاء في السفر ركعتين ركعتين، وكذلك أبو بكر وعمر وسائر الصحابة إلا عثمان وعائشة فإنهما أتما متأولين، وقد علمت أن الإتمام عن عائشة لم يصح، فالصحيح ما عليه الحنفية وغيرهم خلافاً للشافعية. والأدلة على أن القصر في السفر واجب كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من ذلك أن الله تعالى قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ونحو ذلك من الآيات التي فيها وجوب إقام الصلاة، فهذا أمر مجمل، وما ورد مفصلاً لهذا الأمر المجمل فإنه يأخذ حكمه، سواء كان قولاً أو فعلاً كما بين ذلك الأصوليون، فإن حكم التفصيل يأخذ حكم الإجمال الذي يبينه، وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه من روايات كثيرة أنه كان يصلي الظهر والعصر والعشاء في السفر ركعتين لا أربع ركعات، فعلم من ذلك أنه واجب، إلا أن يدل دليل على عدم الوجوب، ولم يرد دليل على عدم الوجوب، بل الأدلة متظافرة لتؤكد هذا الوجوب، من ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، ثم أقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر"، وحديثها صحيح ثابت مشهور، وكذلك ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: "فرضت الصلاة في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين"، ولا تعارض بين الدليلين، فإن قول ابن عباس يحمل على ما استقر عليه الأمر، وقول عائشة رضي الله عنها يحمل على ما كان في أول الأمر ثم استقر عليه بعد، واعتراض بعضهم بأن هذا قول صحابي لا حجة فيه، فجوابه أن هذا مما لا يقال بالرأي، وإنما هو مأخوذ عن المشرع، فقولها "فرضت" وقول ابن عباس "فرضت" يدل على أن هذا الأمر واجب وليس بمندوب، فمن هنا وجب على المكلف أن يلتزم إذا سافر، أي قطع مسافة السفر، أن يصلي الصلاة الرباعية ركعتين، أما صلاة المغرب فلا تقصر، فتبقى ثلاثاً في الحضر والسفر، وصلاة الفجر كذلك لا تقصر لأنها ركعتان، إلا أن يصلي هذا المسافر خلف إمام مقيم، فعليه أن يتم بصلاة الإمام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به"، وقد انعقد الإجماع على ذلك، خلافاً لابن حزم الذي زعم بأن المسافر فرضه ركعتان حتى لو صلى خلف الإمام المقيم، وهذا قول حادث بعد الإجماع فلا عبرة به، وإلا أيضاً أن ينوي المسافر الإقامة في ذلك البلد الذي انتقل إليه، فهنا يجب عليه الإتمام لأنه أصبح موطناً أو مقيماً، أما ما دام هذا المسافر على نية السفر ولو طالت المدة فإنه يجب عليه أن يلتزم بالقصر، وقول من قال بأن حكم القصر في السفر محدود بمدة معينة لم نجد عليه دليلاً من السنة، بل دليل السنة ينادي بخلافه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة وأنس بن مالك وابن عمر وغيرهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يدل على أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج من المدينة قصر الصلاة حتى يرجع إليها، وفي ذلك دلالة على أن المدة مهما طالت أو قصرت فإنه يشرع فيها القصر، ثم إن فعله صلى الله عليه وسلم يدل على هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره كما ذكر ذلك ابن قدامة صاحب المغني وكما ذكر ذلك أيضاً أبو بكر الجصاص صاحب كتاب أحكام القرآن وغيرهم، كان يقصر حاجاً أو معتمراً أو غازياً، فلم يختلف حكم القصر في أسفاره كلها مهما طالت المدة، فقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة بضعة عشر يوماً وهو يقصر الصلاة، ومكث أيضاً في حنين أياماً وهو يقصر الصلاة، بل مكث في تبوك شهراً كاملاً أو نحواً من ذلك وهو يقصر الصلاة، أي في سفرة تبوك، وورد عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ما يؤكد هذا، ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه بقي في السفر نحو ستة أشهر وهو يقصر الصلاة، وكذا ورد عن أنس بن مالك أنه مكث نحو سنتين وهو يقصر الصلاة، وورد عن الحسن البصري أنه قال: "مضت السنة أن يقصر المسافرون الصلاة ولو إلى عشر سنين"، إلى غير ذلك مما ورد من دليل، والأصل أن يستمر هذا الحكم فيما يعرف باستصحاب الأصل، أي أن الأصل هو الوجوب، فهو مستمر لأن العلة في القصر هي السفر، فما دامت قائمة فإذاً فالحكم يدور مع علته كما قال علماء الأصول وجوداً وعدماً، فكيف يباح للمسافر أن يتم بعد ثلاثة أيام أو بعد عشرة أيام مما يخالف السنة، وقول بعضهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قصر بعد كذا وكذا يوماً، فهذا إنما هو موافقة حال، فالنبي صلى الله عليه وسلم حسب أيام سفره كان يقصر ثم بعد ذلك يعود من سفره، فلا يقال إنه لو مكث أكثر من ذلك سيتم، لا دليل على هذا، بل الأسفار المختلفة تدل على أنه كان يقصر مهما طالت المدة.
المفتي
الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري
الشيخ د. عبدالله بن سعيد بن خلفان المعمري (مواليد 1972) محاضر سابق في في كلية العلوم الشرعية بعُمان ومتخصص في القرآن وعلومه؛ تخرج من معهد القضاء الشرعي والوعظ (1994)، ونال الماجستير من جامعة آل-البيت بتخصّص «القرآن وعلومه» ثم حصل على الدكتوراه من جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة. يبدي نشاطًا دعويًا وعلميًا متواصلًا (خطب الجمعة، محاضرات وكتب ومحاضرات مسجّلة على قناته)، أنشأ معهد النجاح للإدارة والتدريب. وله مساهمات في التدريس والبحث في أصول الدين والتفسير. 
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي