العمرة بعد الحجّ للمفرد

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

السؤال

ما حكم العمرة بعد الحجّ بالنسبة للمفرد؟

الإجابة

على كلّ حال الحجّ واجبٌ وركنٌ من أركان الإسلام باتّفاق العلماء لمن استطاع سبيلاً إلى تأديته، ومن لم يستطع أن يقوم بتأديته وكان مالكاً للمال فإنّه آثم، ولم يستطع ويعرف من نفسه بأنّه لن يستطيع وذلك بأن يكون شيخاً كبيراً، والشيخ الكبير الشيخ الذي لا يستطيع، أي كبير السنّ لا شيخ شيوخ القبائل، لأنّني سمعت عن بعض الناس أنّه قيل له أو سمع بأنّ الشيخ الكبير لا يجب عليه الصيام، فزين فحمل ذلك على شيخ القبيلة، وهذا كلامٌ تافه وفهمٌ قليل. فالذي وصل به السنّ إلى حدٍّ لا يمكنه أن يذهب فعليه أن ينيب غيره، وكذلك من أصيب بمرضٍ عضال لا يمكن الشفاء منه بحسب الظاهر، مثلاً والعياذ بالله سام أصيب بالسرطان وذلك ممّا قرّر الأطباء بأنّه لا علاج له، فعليه أن ينيب غيره إذا كان واجداً للمال، وكذا إذا كان كبيراً كما ذكرت ولا يمكنه أن يقوم بتأدية ذلك. ولكنّ بعض الناس يتساهلون، يقول واحد منهم أنا كبير السنّ أو ما شابه ذلك مع أنّه قادر، فليعلم بأنّ الله تعالى لا تخفى عليه خافية. وأمّا العمرة فهي واجبةٌ على القول الصحيح وهو الذي عليه أكثر أصحابنا وطائفةٌ من أصحاب المذاهب الأخرى، ولكن لا يلزم من ذهب إلى الحجّ أن يعتمر، فإذا كان قد اعتمر من قبل فإنّه قد أدّى العمرة الواجبة، اللهمّ إلا إذا نذر بأن يعتمر مرّةً أخرى. وأنا أنصح بعدم الإكثار من النذر، كثير من الناس يقومون بنذر أمور لا يستطيعون أن يفوا بها، ومن تدبّر في كتاب الله وجد بأن الله تعالى أثنى على الموفين بنذورهم لا على الذين يبتدئون بمثل هذه النذور، بل ورد حديث فيهم شيء من التجهيل في بعض أنواع النذور، وبيّن بأن النذر لا يأتي بخير، لا سيما بعض الناس الذين يتّكلون على مثل هذه الأمور ويردّون بأن ذلك الشيء لا يقع أو من الصعوبة أن يقع، وأنهم بمجرد نذرهم يقع لهم ذلك، فلعل الحديث يحمل على مثل هؤلاء، كثير من الناس كما قلت يتّكلون على مثل هذه الأمور، وبعض الناس أيضاً يكون هنالك يكون يرغب في بعض الأمور أو أنه يغضب ويقوم بنذر يعرف لو تدبّر بعقله بأنه لا يستطيع أن يفي به، منهم من يقول أصوم كذا وكذا من الشهور، ومنهم من يقول أذهب كذا وكذا إلى بيت الله كذا وكذا حاجاً أو ماشياً أو ما شابه ذلك، وما شابه وهو يعرف بأنه لا يستطيع أن يذهب حتى وهو راكب في بعض الأحيان، فعلى الإنسان أن يتدبّر وأن يعرف بأن الوفاء بالنذر هو المهم على صاحبه، أما النذر في مثل هذه الأمور التي يشطّ فيها الناس فقد يكون فيها ما فيه مما ذكرت، فالحاصل من اعتمر سابقاً ولم يكن نذر عمرة فلا يجب عليه أن يأتي بعمرة بعد الحج، فإن أراد أن يأتي بعد ذلك بعمرة وبعد الانتهاء من الحج فليس عليه بأس، ولكن نحن نريد أن ننبّه إلى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما كان يأتي في سفر واحد في سفر واحد بأكثر من عمرة، بل كان يكتفي بعمرة واحدة ليس إلا، وهكذا بالنسبة إلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولم يأمر هو السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها بالاعتمار أولاً، وإنما عندما طلبت وألحّت عليه وكان يهوى أن يوافقها فيما تحب أذن لها صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الاعتمار، حتى إنهم اختلفوا هل أخوها كان معتمراً أو لا، أو أنه صاحبها واعتمرت هي وحدها، فلم يأتِ حديث واحتج بعضهم بهذا الحديث على مشروعية تكرار العمرة، ونحن نقول إنه يدل على الجواز، أما أن ذلك مطلوب وأنه مرغّب فيه فهذا مما لا يمكن أن يحتج به عليه، واحتج كثير من العلماء أيضاً بالحديث الوارد في فضل العمرة، وهو لعمري حديث صحيح ويدل على أن لها فضلاً عظيماً، ولكن هل فيه بأن العمرة المقصودة هي العمرة التي يقوم بها الإنسان من مكة إلى التنعيم في اليوم كذا وكذا من المرات؟ ليس في الحديث هذا، ولو كان ذلك هل واظب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه؟ بل هل فعله في عمره مرة واحدة؟ وهل فعله واظب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أو أنه لم ينقل ذلك إلا عن واحد أو اثنين منهم؟ فلو كان الحديث ينطبق على ذلك لفعلوه وهم أحرص منا على الخير، فلا ينبغي للإنسان أن يكثر من هذه العمرات التي يفعلها الناس، وإنما ينبغي أن يكثر من الطواف، هذا هو المشروع، ثم إننا لو أتينا إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإننا نجد أنه اعتمر أربع مرات، وقال بعض العلماء اعتمر مرتين، ولا تعارض بين الحديثين وإن توهّم بعض الناس التعارض، ولنا بحث ولسنا ننبه بأنه ينبغي للإنسان أن ينظر في حاله، وهذا يمكن الجمع بينهما، وألا يخطّئ الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غير أن يتدبّر، فالذين قالوا اعتمر مرتين أرادوا بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتى بعمرتين مستقلتين، حيث إنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه ذهب أولاً للعمرة وصدّته قريش رجع، ثم بعد ذلك قاضى قريشاً واعتمر العمرة بعد ذلك، ثم اعتمر من الجعرانة بعد فتح مكة وبعد المعارك التي كانت هناك، واعتمر مع حجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن قال اعتمر أربع مرات أراد العمرة التي أحرم بها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث إنه أحرم لها وصدّته قريش له عن ذلك قيل بأنها عمرة، والعمرة الثانية معروفة والثالثة كذلك، والرابعة هي التي فعلها مع حجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن قال اعتمر مرتين لم يحسب الأولى لأنه لم يأتِ بها وإن كان صُبّر عليها صلى الله عليه وعلى آله وسلم صُبّر على ذلك الفعل، لكنه لم يأتِ بتلك العمرة، وقولهم تسميتهم للعمرة التي بعدها عمرة القضاء وما شابه ذلك ليس معنى ذلك أن العمرة الأولى قد ثبتت هكذا عمرة تعدّ عمرة كغيرها، وإنما معنى ذلك أنه قاضى قريشاً عليها، ومن هنا اختلف العلماء فيمن أحرم بعمرة ثم أحصر عنها هل يجب عليه أن يعيد تلك العمرة أو لا؟ ولا شك أن تلك العمرة وذلك الحج إذا كان واجباً عليه أنه يجب عليه أن يأتي به لأنه قد وجب عليه من قبل، وأما إذا كانت نافلة هل يجب عليه ذلك؟ فبين العلماء خلاف، منهم من قال إن ذلك لا يجب عليه، أي إنها بسبب عدم قدرته على تأديتها تسقط عنه ولا يطالب بإعادتها مرة ثانية، وتسميتها بالقضاء لأنه قاضى قريشاً عليها لا لأنها وجبت عليه بمجرد دخوله فيها مع عجزه عن أدائها، والمهم المسألة فيها كلام معروف، وقالوا في العمرة الرابعة التي أتى بها في الحج مع الحج لم يأتِ بها بمفردها، فلم تعدّ عمرة مستقلة، ومن هنا قدّموا أيضاً على ذلك حديث السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها بأنها أحرمت بعمرة وأردفت بحج وعمرة وأردفت بحج، مع أنها عند كثير من العلماء أيضاً كانت قارنة، فبهذا يجتمع أو يجمع بين الحديثين المرويين عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإذاً من كان قد أتى بالعمرة سابقاً لا يلزمه أن يأتي بعمرة بعد ذلك، إن شاء من حيث الجواز جائز، وإن شاء ترك ذلك.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ سعيد القنوبي

فتاوى الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي في برنامج «سؤال أهل الذكر» وغيره، مفرّغةً من التسجيلات ومدقّقةً ومراجَعة.

📺 شاهد الفتوى

العمرة بعد الحجّ للمفرد
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي