السؤال
من الذبيح؟ إسماعيل أم إسحاق عليهما السلام؟
الإجابة
أولاً لا بد من تقرير مبادئ، هذه المسألة فيها خلاف، والخلاف فيها قديم من عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذن هذا هو الأمر الأول، أن الخلاف فيها قديم، فقد رُوي مثلاً عن العباس بن عبد المطلب وعن عبد الله بن العباس وعن علي بن أبي طالب وهم خاصة بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وورد أيضاً عن عمر بن الخطاب أن الذبيح هو إسحاق، وعليه طائفة من المتقدمين من المفسرين كالإمام الطبري، وأغلب ما ذكره أيضاً الإمام القرطبي هو أنه إسحاق، نعم تردد في موضع أو موضعين من تفسيره لكن الذي يظهر أن الذي يركن إليه هو أنه إسحاق أيضاً، وطائفة أيضاً من الصحابة كأبي هريرة وغيره وطائفة من التابعين يرون أنه إسماعيل، فالخلاف فيها قديم، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني أن الخلاف فيها لا يقلل من شأن أي من النبيين الكريمين إسحاق وإسماعيل عليهما السلام، فهما نبيان كريمان ابنا نبيٍ كريم وهو خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام وعليهم جميعاً الصلاة والسلام، فلا ينبغي أن يكون الخلاف مدعاةً للمفاضلة وبخس منزلة أي منهما، فهذا الأمر لا بد أن يُقرر. الأمر الثالث أنه ليس في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثٌ صحيح يرجح أحد القولين، وإلا لكان حاسماً للخلاف رافعاً للخلاف حاسماً للقضية، لكن ليس فيها حتى لا يحتج أحد بأن هناك روايات كرواية «أنا ابن الذبيحين» وغيرها من الروايات، وأن قرني الكبش كانا معلقين في الكعبة المشرفة وغير ذلك من الروايات، كلها ضعيفة وبعضهم يقول إنها موضوعة، فليس هناك دليلٌ قاطع يرفع الخلاف في هذه القضية ولذلك فهي مسألةٌ قابلة للرأي والنظر. الآن أنا الذي أجده أكثر إقناعاً هو أن الذبيح إنما هو إسماعيل عليه السلام، وأبرز الأدلة موضعان من كتاب الله عز وجل، الموضع الأول في سورة الصافات، فالله تبارك وتعالى قال عن إبراهيم: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ}، ثم دعا ربه فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ}، فجاء الجواب: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ}، {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} إلى آخر السياق في سورة الصافات، لم يُسمِّ الله عز وجل هذا الغلام الحليم الذي بُشر به إبراهيم بناءً على دعائه لربه جل وعلا، قال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ}، انتهى سياق هذه القصة والفداء بالذبح العظيم، فقال بعدها مباشرةً بعد هذه القصة في نفس السورة قال ربنا جل وعلا: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ}، مما يدل على أن المبشر به قبلاً هو غير المبشر به تالياً، فالمبشر به أولاً هو الذي حصلت له قصة الفداء بالذبح العظيم هو الذبيح وهو إسماعيل عليه السلام، لأن الله تعالى بشر إبراهيم عليه السلام بإسحاق بعد حكاية هذه القصة وهذه بشارةٌ أخرى، ولا يتناسب مع بلاغة القرآن أن تكون البشارة الثانية هي نفس البشارة الأولى، لا يتناسب مع بلاغة القرآن ونسقه، إضافةً إلى ما هو موجودٌ أيضاً في مواضع أخرى. الموضع الثاني في سورة هود، قال الله تبارك وتعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}، وإبراهيم حاضر، هذه البشارة خاطبت بها الملائكة امرأة إبراهيم وهي أم إسحاق، {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}، فبُشرت بإسحاق وبابنٍ أن إسحاق سيعيش وسيولد له ولد وهو يعقوب، وإبراهيم يسمع هذه البشارة، ولذلك فإنه من غير اللائق أن لو كان قد أُمر بذبح ولده إسحاق لكان له أن يحتج بأنه قد بُشر بإسحاق وأنه سيولد لإسحاق ولد وهو يعقوب كما في البشارة التي حصلت له، هذان هما أبرز أو هذان هما أبرز ما يمكن أن يُعول عليهما في ترجيح القول بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، يُضاف إلى ذلك جملة من الأدلة التبعية سأذكرها سريعاً، أن إسماعيل أكبر من إسحاق، وأغلب المفسرين وكتاب السيرة أنه أكبر منه بأربعة عشر عاماً وقيل بثلاثة عشر عاماً، فهو الأكبر، فبلاء إبراهيم في ذبح ولده الوحيد أبلغ في الابتلاء، ولذلك وصفه الله عز وجل بقوله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ}، لأنه لو كان له ولدٌ آخر لكان له فيه سلوان، لكنه ابتُلي بذبح ولده الوحيد والولد الأكبر هو إسماعيل عليه السلام، أيضاً الحادثة حصلت في مكة لأن المنحر لا يزال موجوداً، المنحر والحوادث هذه حصلت في مكة وإسماعيل هو الذي كان في مكة وكان إبراهيم يأتي لزيارته ولا يزال هذا المنسك باقياً لدى المسلمين في مناسك الحج، بالإضافة إلى أدلةٍ أخرى إلا أن هذه أبرزها والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- الراجح في سن الأضحية المجزئة مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- هل يصح نقل الأضحية بين البلدان فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- حكم ذبيحة الصبي والعمر الذي يباح له فيه الذكاة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- ذبح هدي الحاج في مكة أو في بلده مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- حكم ترك الأضحية للأولاد أثناء الحج الشيخ بدر بن هلال البوسعيدي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي