السؤال
هل يجوز الأكل في المأتم أم لا؟
الإجابة
نعم، الأصل في الميت إذا مات أن تُؤدى حقوقه، وهذا الذي ينبغي أن يعتني به الناس، فيُغسل ويُكفن ويُصلى عليه ويُدفن، كما قال الإمام السالمي رحمه الله تعالى: «غسل وتكفين صلاة دفنُ.. فرض كفاية لميت يعنو»، طبعاً هذا في المسلم. ثم يُشتغل أيضاً بتنفيذ وصيته إن كان قد ترك وصية، وإن كان من أهل الصلاح فيُدعى له. أما بالنسبة للتعزية فهي مواساة لأهله من الأحياء، إذ معنى التعزية التسلية أي للتخفيف عنهم. والهدي المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم ما جاء فيه أنهم كانوا يجلسون للعزاء في مكان واحد، بل يدفنون ميتهم ثم يتفرقون وينطلقون ليشتغل كل بعمله لتمضي الحياة كالمعتاد. والذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه ما يدل على إعانة أهل الميت، فقد قال: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فأهل الميت لشدة حزنهم عليه في الأيام الأولى يحتاجون إلى إعانة بطعام. أما الناس الآخرون فلا ينبغي أن يجتمعوا ليشتغلوا بذلك، وإنما يمضون في أعمالهم، ولكن جرت عادة الناس من باب الملاطفة ومن باب التواصل أن يجتمعوا للعزاء بحيث يأتون للتسليم على أهل الميت بعد وفاته، فبعض أهل العلم ما منع هذا، لكن ينبغي أن لا يترتب على ذلك أي محظور. من جملة ذلك الولائم التي تقام، فإن هذه مخالفة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالسنة أن يُصنع لآل الميت الطعام لا أن يُؤكل من طعامهم، خاصة إذا علمنا أن الناس يصنعون الولائم أو يُضطرون لإقامة الولائم بسبب كثرة المعزين، فلا يكفي أن يكونوا قد رُزئوا في ميتهم ليُرزؤوا في أموالهم أيضاً. فكأن الناس يتمادون لتناول وجبات الطعام في تلك الولائم، من كان له شغل ومن لم يكن له شغل، والأشد من ذلك والأنكى أنه قد يُستعمل مال الميت أي التركة في الإنفاق على تلك الولائم في بعض الأحيان، فيكون ذلك من أكل مال الورثة، أرأيتم إن لو كان في الورثة أيتام فإنه لا يجوز أكل شيء من مالهم ولو وافق على ذلك وصيهم أو ولي أمرهم لأنه ليس له التصرف بالإنفاق من أموالهم، بل عليه أن يصون هذا المال حتى يكبروا. فمن هنا أفتى طائفة من العلماء بحرمة هذا التصرف، ولذلك شدد طائفة من علمائنا ومنهم شيخنا الخليلي حفظه الله تعالى في هذا الأمر حتى إنه ألف رسالة في الشهر الماضي ونُشرت في التشديد في موضوع ولائم العزاء، فينبغي أن يُقتصر على أقل القليل، فعندنا الفتوى الآن أن يقتصر في إطعام المعزين التمر والقهوة هكذا فقط. وسمعت أيضاً أنه كان عندكم أيضاً اقتصار على أقل القليل، وقبل نحو خمسة عشر عاماً بدأ الناس يوفرون التمر والحليب، وبدأ بعض الناس أيضاً يرجعون إلى الولائم وكانوا قد نُهوا عنها، وإذا ببعض الناس الآن يصنعون ولائم بعد انتهاء ثلاثة أيام أي في اليوم الرابع بزعم الصدقة عن الميت، وكل هذه حيل. فالصدقة عن الميت تكون باختيار أفضل الأنواع لكي يُؤجر على تلك الصدقة عنه، أما الولائم فقد ورد فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «شر الطعام طعام الوليمة يُدعى إليه الأغنياء ويُترك الفقراء»، فينبغي للناس أن يتعاونوا للقضاء على العادات الدخيلة المخالفة للسنة، لا أن يكون الأمر مجرد فتوى، وإنما يجتمع أهل البلد أو الأعيان للنظر في هذا الموضوع حتى يحلوه حلاً ليقرروا قراراً وفق الفتوى الشرعية فيُعمم على الجميع. أما أن يقوم بعض الناس بإقامة وليمة ويخالف آخرون فإن المخالفين الذين لا يصنعون الوليمة سيشعرون بحرج وسيُتهمون عند الناس بأنهم بخلاء أو أنهم لم يكرموا ضيوفهم، وقد يتمادى الناس في هذا لأجل التباهي في قدر الوليمة وقدر كثرة المعزين، فينبغي أن يُسد الباب والله تعالى المستعان.
المفتي
الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري
الشيخ د. عبدالله بن سعيد بن خلفان المعمري (مواليد 1972) محاضر سابق في في كلية العلوم الشرعية بعُمان ومتخصص في القرآن وعلومه؛ تخرج من معهد القضاء الشرعي والوعظ (1994)، ونال الماجستير من جامعة آل-البيت بتخصّص «القرآن وعلومه» ثم حصل على الدكتوراه من جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة. يبدي نشاطًا دعويًا وعلميًا متواصلًا (خطب الجمعة، محاضرات وكتب ومحاضرات مسجّلة على قناته)، أنشأ معهد النجاح للإدارة والتدريب. وله مساهمات في التدريس والبحث في أصول الدين والتفسير. 
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- الأكل من ولائم العزاء الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- حكم إعداد الجيران الطعام لأهل الميت طوال أيام العزاء سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- هل يجوز إطعام الواصلين من مال العزاء الخاص؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- صنع الطعام في أيام العزاء الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- حكم صنع طعام للعزاء في نفس يوم انتهاء العدة فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي