السؤال
نرجو من فضيلتكم بيان المعنى الصحيح لهذه الآية: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، فالملاحظ هو استدلال البعض بهذه الآية على حجية السنة، لكن المقصود في الاستعمال القرآني للفظ الذكر كونه من أسماء القرآن، فما وجه علاقته بالسنة؟
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فكلام السائل صحيح، فقد نحى عدد من أهل العلم هذا المنحى في الاحتجاج على حجية السنة، واستشهدوا لها بمثل قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، وبقوله أيضاً في سورة النحل: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. والمدخل الذي رأوا منه أن هذه الآيات الكريمة تشمل أيضاً حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم رأوا أن الذكر يصدق على الوحي مطلقاً، متلوّاً كان أو غير متلوّ، فلم يقتصروا في تفسيرهم للذكر على القرآن الذي هو الوحي المتلوّ المتعبّد بتلاوته، وإنما جعلوا الذكر شاملاً للقرآن ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الموحى بها، أي أنهم جعلوا معنى الذكر الوحي مطلقاً. هذا صنيع كثير منهم، ومنهم من كان له مدخل آخر، وهو أن حفظ الله عز وجل للقرآن الكريم دليل على حجية السنة، لأن هذه الحجية مأخوذة من كتاب الله عز وجل، فطالما أن القرآن محفوظ، فهذا يعني أن الاحتجاج بالسنة أيضاً محفوظ، لأنه مما اشتمل عليه القرآن الكريم من الثوابت التي لا يطرأ عليها تغيير ولا تحتمل وجهاً آخر. هذان هما المدخلان اللذان رأى عدد من أهل العلم أن الحفظ للذكر يشمل حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لكن لا يمكن القول بأن هذا المنحى يمكن التعويل عليه والاعتماد في الاحتجاج بحجية سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن جماهير أهل العلم يرون أن الذكر، وهو ما يدل عليه المعنى اللغوي والاستعمال القرآني، أنه منصرف إلى القرآن الكريم، فالذكر هو ما يُذكر ويُكرر، فيتكرر ذكره ويُذكّر بغيره، ويكون فيه ذكر للغير أيضاً، وهذا يصدق على القرآن الكريم فهو الذي يُتلى ويُكرر، تُكرر تلاوته، وقد ورد في القرآن الكريم استعمال الذكر منصرفاً حصراً للدلالة على القرآن، لا على ما سواه، بل حتى الآيات في سورة الحجر: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، ما قبلها يدل على أن اعتراض المشركين إنما كان على ما يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن، وكذا الحال بالنسبة لسورة النحل أيضاً، السياق يدل على أن الحديث إنما هو عن القرآن الكريم. وعلى هذا فإن أدلة حجية السنة هي أدلة أخرى، أدلة حفظ السنة أيضاً هي أدلة أخرى، بمعنى أن تضعيف القول بأن حفظ السنة إنما هو من حفظ الذكر الوارد في القرآن الكريم لا يلزم منه القول بأن السنة لم تُحفظ، وإنما أدلة ذلك ومنهج ذلك شيء آخر مختلف، هذا هو يعني الجواب عما سأل عنه، والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- حفظ القرآن والأخذ بالسنة النبوية الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- سر اختيار القرآن لفظ أهل الذكر بدل أهل العلم سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- كيفية الرد على منهج القرآنيين فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- هل المقصود بأهل الذكر في الآية أهل الكتاب سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- هل تنسخ السنة النبوية القرآن الكريم؟ فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي