السؤال
في قوله تعالى: «وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ»، يريد تفسيراً لهذه الآية، ثم يريد توضيحاً لمعنى قول سيدنا نوح عليه السلام: «فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ».
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فإن في قوله تبارك وتعالى: «وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ»، معنى سخرية قوم نوح منه ومن المؤمنين معه وهم يصنعون السفينة التي أمرهم الله تبارك وتعالى وحياً منه بصناعتها واضحة، فهو استهزاءٌ واستجهالٌ من الكفار لنوحٍ وقومه المؤمنين، وقد قابل نوحٌ عليه السلام ومن معه من المؤمنين هذه السخرية المبنية على الجهل بما يناظرها من تعجبهم أيضاً، وهذا هو معنى سخرية نوح والمؤمنين معه من القوم الكافرين، أنه تعجبٌ من حماقة هؤلاء، فنوحٌ ظل يدعوهم إلى دين الله تبارك وتعالى ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً، أنذرهم وحذرهم ولكنهم مع ذلك أعموا أبصارهم وغلفوا قلوبهم عن قبول الحق، فلما أن تهيأ نوحٌ ومن معه من المؤمنين للنجاة مما حذرهم منه ظل أولئك القوم الكافرون سادرين في غيهم بل سخروا واستهزؤوا واستجهلوا نوحاً ومن معه من المؤمنين، فكأن معنى الحوار الدائر بين نوح والمؤمنين من جانب وبين القوم الكافرين في الجانب الآخر أنكم إن كنتم تستجهلوننا فإنا نستجهلكم، إلا أن العجب في أمر القوم الكافرين أن الآيات والنذر قد جاءتهم فأبوا قبولها وأعرضوا عنها ومع ذلك فإنهم يسخرون من نوحٍ ومن معه من القوم المؤمنين، ومبعث العجب عند نوح والمؤمنين، عند نوحٍ عليه السلام ومن آمن معه، أن هؤلاء القوم لا يزالون معرضين كافرين بالله تبارك وتعالى. «فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ»، هنا أيضاً ذكر المفسرون لطيفةً في كاف التشبيه هذه، فمنهم من أجراها على بابها وقال بأن التشبيه على بابه وهو يدل على اقتران، على تزامن أو على اقتران زمني السخرية، ولذلك وردت بصيغة المضارع: «فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ»، فهذا معنى التشابه أي من حيث اقتران زمن السخرية المتبادلة بينهما، إلا أن مبعث هذا الاستهزاء أو هذا الاستجهال مختلفٌ بينهما بونٌ شاسع، فذلك مبنيٌ على جهل وهذا مبنيٌ على علم بما سيؤول إليه حالهم من الإغراق في الدنيا ومن الإحراق في الآخرة والعياذ بالله. ومنهم من قال بأن الكاف للتعليل، وهذا معنىً لطيف نحى أو ذهب إليه عددٌ من المفسرين كما في قوله تعالى: «فَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ»، وكما في قوله: «وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ»، فجعلوا الكاف للتعليل، فسخريتكم أيها الكافرون هي السبب في سخريتنا منكم لأننا نتعجب من أحوالكم، ولا ريب أن السخرية المسببة المعللة هي أوجه من السخرية الناشئة عن الحماقة والجهل، والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- سبب سخرية قوم نوح منه وهو يصنع السفينة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- من هم أصحاب سفينة نوح عليه السلام سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- السر البلاغي في "أنلزمكموها وأنتم لها كارهون" سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تفسير آية وجعلنا ذريته هم الباقين فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- سبب صيغة الخطاب في آيات قصة سفينة نوح بسورة الحاقة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي