قراءة القرآن في المقابر مسايرة للعرف

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الجنائز 2026-11-04

السؤال

هل يمكن الترخص في الأخذ بالقول المجيز لقراءة القرآن في المقابر مسايرة لعرفنا؟ وخاصة وأن الحديث الذي أخذ به المانعون محتمل، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لقراءة القرآن في البيوت وعدم جعلها قبوراً لا يفيد صراحة التحريم باعتبار أن البيت الخاوي من القرآن المحيي للقلوب أشبه ما يكون بالقبر لموت من فيه. طبعاً على كل حال هو يطرح أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء، ويرى هو طبعاً أن الدلالة على التحريم بذلك ضعيفة، وكذلك عدم فعل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً مع إمكان فعله لا يفيد التحريم صراحة، فهل يؤخذ من عدم قراءته للقرآن في المقابر التحريم مع عدم نهيه عن ذلك؟

الإجابة

أولاً لا يمكن إنكار أن في المسألة خلافاً، لكن القول الراجح الذي يستند إلى أدلة صحيحة غير ما يشير إليه السائل في سؤاله هو المنع من قراءة القرآن في المقابر. فحينما نجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، فهنا يبين أمراً استحق به هؤلاء الطرد من رحمة الله تبارك وتعالى حينما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وماذا يصنع في المساجد غير الصلوات وتلاوة ما أنزل الله تبارك وتعالى من كتبه؟ فهذا في شريعتهم، أما في شريعتنا من الصلاة وتلاوة كتاب الله عز وجل. ثم لما نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما يزور المقابر فإنه يقتصر على السلام وقراءة الدعاء: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، غفر الله لنا ولكم". وما حصل في شيء من زيارته عليه الصلاة والسلام أن قرأ ولو آية من كتاب الله عز وجل في المقبرة، وقد تكرر منه ذلك عليه الصلاة والسلام، كان يكثر من زيارة القبور وكان يكرر زيارة القبور، ومع ذلك ما أثر عنه أبداً إلا أنه كان يقرأ دعاءً قريباً من هذا الدعاء، هذا لفظ رواية صحيحة ثابتة عنه، والروايات الأخرى ألفاظها ومعانيها تدور حول نفس هذا المعنى المتقدم، بل تدور حول نفس ألفاظ هذا اللفظ المتقدم. أيضاً حينما يأمر بقراءة القرآن في البيوت ويقول: "ولا تجعلوها مقابر"، فإن المعنى واضح، صحيح أنه من دلالة المفهوم، لكنه مستند إلى أدلة أخرى ناطقة بأن المقابر لا يقرأ فيها القرآن. إذاً هذا هو القول، أما أن يسعى الإنسان إلى أن يطوع الأحكام الشرعية بدعوى موافقة العرف، فإن العرف لا عبرة له إذا كان مخالفاً لشرع الله تبارك وتعالى. نعم لو كان مستنداً إلى أدلة شرعية من كتاب الله عز وجل أو من سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو من قياس جلي إذا لم تكن هناك نصوص في المسألة أو شيء من الحجج المقبولة شرعاً فأداه اجتهاده إلى ذلك فهذا قول من أقوال المسلمين يحترم ولا يمكن التقليل من قول صاحبه وإن كان مرجوحاً عند غيره. أما أن يحاول أن يبرر مجاراة للعرف فيلوي أعناق الأدلة الشرعية فهذا من التلفيق في الدين ومن التقول على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويخشى على مثل هذا أن يفرط في أحكام شرعية أخرى قد لا تكون فيها مساحة للرأي لقلة الخلاف فيها كما في هذه المسألة. فالواجب على المسلم كما قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، فالواجب أن.. وكما قال أيضاً ربنا: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، والله تعالى أعلم.

هو لم يقل بأنه يأخذ بالمرجوح بناءً على أدلة شرعية رآها أظهر واستند إليها تقليداً لعلماء أو أئمة قالوا بذلك، وإنما يقول نفعله مراعاة للعرف. لو ترك الناس والأعراف المخالفة للسنة لفشت فيهم البدع، الواجب على أهل العلم وعلى الدعاة أن يبينوا للناس هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذا لا يعني أن يقوموا بذلك دون مراعاةٍ لأحوالهم، لكن حينما يكون مقصودهم أن يبيّنوا للناس الهدى والرشاد، ثم بعد ذلك يعني يلتزموا بما أمرهم الله تبارك وتعالى به حينما قال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، فلا إشكال في هذا. أما أن يكونوا هم ممن يحاول أن يلوي أعناق النصوص والأدلة الشرعية مجاراةً للعرف، فقد تقدّم أن هذا يفتح من الذرائع والمحاذير ما يُخشى عليهم منه، والله تعالى المستعان.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

قراءة القرآن في المقابر مسايرة للعرف
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي