السؤال
في الحقل الدعوي يجتهد الدعاة بإخلاص في دعوة الناس، لكن بطبيعة البشرية قد يحصل بينهم خلاف قد تتأثر الدعوة بسببه ويدخل الشيطان بينهم، فسؤالي: ما هي قواعد الاختلاف التي يرجع إليها ويحتكم إليها، وما نصيحتكم للدعاة؟
الإجابة
الدعوة إلى الله عز وجل عبادة، يتقرب بها الداعي إلى مولاه سبحانه وتعالى، فيجب أن تكون أولاً خالصة لوجهه، {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي}، فلا يتقبل الله تعالى من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}، وبالإخلاص يزكو العمل، وترفع الدرجة، ويقبل عند الله، وتزاح العراقيل، وتتنزل البركة، ويوفق العبد للعمل الصالح، ويرزق من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، ويستجاب دعاؤه، ويحقق رجاؤه، إلى غير ذلك مما يتحقق بالإخلاص.
ومع عدم الإخلاص يضرب بهذا العمل على وجه صاحبه، ولا يقبل عند الله، بل ينال الإثم والعياذ بالله، لأن الرياء يحبط العمل كما يحبط الشرك، ويوكل هذا الفاعل إلى نفسه، فتضحك عليه النفس الأمارة بالسوء، ويتلاعب به الشيطان، ويتشتت جهده، كمن يزرع أو يحرث في سبخة، أو في ماء، فلا ينبت شيئاً، {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا}، فأولى الناس بالإخلاص هذا الذي يدعو إلى الله عز وجل، وهو يدعو إلى دين الله الذي يقوم على الإخلاص، فكيف يكون غير مخلص؟ وكيف يرجو ثمرة عمله وهو غير مخلص؟ وهو لا يستطيع أن يهدي قلوب المدعوين، لأن ملاك الأمر في صلاح القلب، إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، أي في قبضته، أما المخلوق فلا يملك التصرف في قلب غيره، {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}.
فإن أراد النجاح في دعوته فليخلص نيته لهذا القادر المعبود الحق سبحانه وتعالى، الذي يملك التصرف في قلوب العباد، ليهديهم إلى الحق عن طريقه، فيفوز بالأجر والثواب، فما أبعده وما أسخفه إن كان غير مخلص نيته لله تعالى في هذا العمل، فبهذا يتبين لنا أن ما قد ينشب من خلاف إن لم يكن نابعاً من الغيرة على الدعوة إلى الله تعالى فهو اتباع للهوى، وتنافس على الدنيا، فعلى الداعية أن يبعد نفسه عن ذلك، وأن يحاسب نفسه محاسبة دقيقة، وكم من أناس يتظاهرون بالدعوة وسرهم أنهم يريدون بذلك الشهرة، أو المال، أو الجاه، وينكشف أمرهم حين يحققون هذه الغايات الدنيوية الدنيئة، لأنهم ينقطعون عن الدعوة بعد تحقيق مرادهم الدنيوي، ولو كانوا صادقين في عملهم مخلصين لله عز وجل لواصلوا الدعوة، ولما توقفوا عنها، ولا جعلوا تلك المصالح التي تتحقق لهم في طريقهم من مصالح الدنيا زاداً لنفع الدعوة به، لا أن تكون غاية يسعون إليها، فيسخرون هذه المنافع الدنيوية جميعاً لأجل مصلحة الدعوة، ولا يهدأ لهم بال، ولا يقر لهم قرار، حتى ينشروا دين الله تعالى في أرجاء الأرض، فيؤلمهم لو وجد كافر واحد، أو عاص واحد يعصي الله تعالى في هذه الأرض، فهم يرجون أن يملؤوا الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
ثم إن الدعوة يجب أن تكون ملتزمة بطاعة الله عز وجل، أي أن يكون منهاجها وفق شرع الله، وهذا الداعي يكون ملتزماً بهذا الشرع، {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، فكيف يدعو هذا الداعي إلى خير ثم لا يبادر إليه؟ وكيف يريد النجاح في دعوته وهو يعصي الله عز وجل؟ والعاصي إن أصر على معصيته مغضوب عليه، مطرود من رحمة الله، مستحق للحرمان، فكيف يدعي هذا الداعية أنه سينجح في دعوته وهو يدعو إلى الشيطان في الحقيقة لا إلى الرحمن؟ ولئن حصل بتقدير الله تعالى أن ينتفع بدعوته أحد لأجل صلاح الدعوة في نفسها، وكونها حقاً في نفسها، ولكون الأدلة التي يدعو إليها هذا الداعي أو يدعو بها داعية في نفسها إلى الحق الذي تحمله، فكفى بهذا الداعي خسراناً أن يكون غيره قد انتفع بدعوته في الدنيا والآخرة وهو قد خسر والعياذ بالله، فاهتدى به أقوام ودخلوا بذلك الجنة ونالوا رضوان الله وهو والعياذ بالله دخل النار، فهذا حمق.
ولذلك على الداعي أن يلتزم بأدب الدعوة، وفقه الدعوة، حتى في الخلاف مع غيره أيضاً، فلا يتهم أحداً بغير دليل، وإن ثبتت عليه التهمة فليحاول الإصلاح باللين والنصح دون تشهير قدر الإمكان ليكون عوناً لأخيه على الشيطان، فإن أصر ذلك الداعية الآخر على معصيته ولم يمكن إلا فضحه على الأشهاد تحذيراً من شره، فهذا الداعية حين يفعل هذا الأمر يفعله على مضض، وهو يخشى على نفسه في يوم من الأيام أن يقع في مثل هذا الموقف، وهو في سره ينبغي أن يدعو الله تعالى أن يتوب على هذا الداعية الذي كان زميلاً له، قريناً له في الدعوة ثم انتكس على رأسه، وفضح على رؤوس الأشهاد، فهو لا يفعل ذلك سعيداً راغباً في التشهير بالآخرين كأنه يثبت للناس أنه هو الذي ثبت على الطريق الحق بينما غيره غرتهم الدنيا وفسدوا، وهذا الدليل حسب الواقع، فينبغي للداعية أن يحذر كل الحذر من أي شيء يؤدي إلى انتصار النفس الأمارة بالسوء، أو يكون عوناً للشيطان، أو عوناً على الفساد، لأنه يعلم أن هذا الاختلاف بين الدعاة قد يستغله بعض مرضى القلوب الطاعنين في الدين ليشوهوا الدعوة، وليشوهوا صورة الدعاة، وليستغلوا هذا الحدث لصد الناس عن الاستقامة على دين الله والدخول في الإسلام، فيجب عليه أو يحاول قدر الإمكان أن يقطع الطريق على هؤلاء، فتحل المشكلات داخلياً كما يقال قبل أن تظهر للعيان قدر الإمكان.
فإذاً هذه بعض القواعد التي ينبغي أن نسير عليها، وفوق ذلك ينبغي أن يكون هناك مرجعية أيضاً في القيادة العملية، فربما بعض القضايا لا يستطاع حلها بين الدعاة أنفسهم إذا كانوا على نفس المستوى، وربما يكون كلهم مصيباً، فلا يلزم في كل القضايا أن يكون الخلاف بين الدعاة سبباً للفتنة أو للفساد، بل قد يكون ذلك في دائرة المباح، وإنما هي وجهات نظر، وكل منهم ملتزم في أصل فعله بالحكم الشرعي، وما تصرف فيه إنما هو مجال للاجتهاد، فاجتهد قدر طاقته، وتوخى المصلحة، فتصرف وفقها، لأنه كما قال العلماء: حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله، فيحسن الظن بالطرف الآخر، وليكن هناك حوار ولقاء، ولذلك ندعو دائماً إلى العمل المؤسسي الذي لا يكون فيه تفرد في الدعوة، بل شورى، ولا يكون هناك اختلافات في المناهج، بل هو منهج واحد، فيلتقي هؤلاء الدعاة ويتشاورون ويقررون ثم ينفذون، فإن وجد على مستوى واحد قضية لا يستطيعون حلها فليرفعوها إلى من هم أعلى منهم علماً وخبرة في الدعوة، كما قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وقال: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}، وعند عرض هذه القضية على من هم أكبر منهم علماً وديناً وخبرة في الدعوة ينبغي أن يسلموا الأمر، فلو جاء الحكم على بعضهم بالتخطئة ولغيرهم بالتصويب فينبغي لمن حكم عليه بالخطأ أن يسلم الأمر، وأن يرجع إلى الصواب لا أن يصر على الباطل، ومن كان على صواب فليحمد الله عز وجل، وليعلم أن هذا فضل من الله سبحانه وتعالى لا أن ينسب الفضل إلى نفسه، وليكن رفيقاً شفيقاً على صاحبه، فالدنيا لا تساوي شيئاً، ولنعلم جميعاً أن الله تعالى علام الغيوب، يعلم سرائر النفوس، فمهما حاول أحدنا أن يزين موقفه بلحن القول ليغر غيره وقد ينجح في ذلك لكنه لن يستطيع أن يخادع الله، فالله تعالى بكل شيء عليم، وبكل شيء بصير، وبكل شيء محيط سبحانه وتعالى، والله تعالى أعلم.
المفتي
الشيخ د. عبدالله بن سعيد بن خلفان المعمري (مواليد 1972) محاضر سابق في في كلية العلوم الشرعية بعُمان ومتخصص في القرآن وعلومه؛ تخرج من معهد القضاء الشرعي والوعظ (1994)، ونال الماجستير من جامعة آل-البيت بتخصّص «القرآن وعلومه» ثم حصل على الدكتوراه من جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة. يبدي نشاطًا دعويًا وعلميًا متواصلًا (خطب الجمعة، محاضرات وكتب ومحاضرات مسجّلة على قناته)، أنشأ معهد النجاح للإدارة والتدريب. وله مساهمات في التدريس والبحث في أصول الدين والتفسير. 
📺 شاهد الفتوى
أسئلة مشابهة
- تثبيط الناس عن الدعوة إلى الخير مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- نصح الداعية بأمر لا يفعله مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- عدم رد الدعاة على أسئلة المستفتين الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- أسباب فرقة المسلمين وانقسامهم وسبل زوال هذه الفرقة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- رسالة للصم والبكم في رمضان وأهمية الوصول إليهم سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي