السؤال
عندما يريد الإنسان أن يفسر آية قرآنية ويرى أن جهده توصل إلى معنى معين، ما الذي أو ما الشروط التي يجب أن تتوفر فيه؟ وما الذي عليه أن يستحضره قبل أن يبدأ في تعميم قوله في هذه الآية أو تلك؟
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فإن الناظر المتدبر في آيات الكتاب العزيز عليه حتى يصل إلى ما يمكن أن يستنبطه من معانٍ ودلالات، عليه أن يلتزم أولاً بما تدل عليه اللغة العربية، لأن هذا القرآن أنزله الله تبارك وتعالى بلسان عربي مبين، ولذلك فإن الضابط الأول هو ما تحتمله اللغة التي نزل بها هذا الكتاب العزيز، فهي الوعاء الذي اختاره الله تبارك وتعالى لتعبر عن المعاني والحكم والأحكام والعظات والهدايات التي اشتمل عليها كتابه العزيز. وهذا يستدعي منه أن يكون على إلمام بأساليب اللغة وبفنونها وفروعها نحواً وصرفاً وبياناً وبلاغة وأساليب حديث في حروفها ومفرداتها وفي تراكيبها وجملها. هذا هو الشرط الأول، وهذا يعني أن كل ما خالف اللغة العربية أو كان بعيداً أو شاذاً عما تحتمله اللغة ويستوعبه هذا الوعاء فإنه مردود غير مقبول. ثم من الشروط أيضاً أن لا يناقض القرآن نفسه، فلا بد أن ينظر إلى هذا الكتاب العزيز في وحدة موضوعية يكمل بعضه بعضاً، فلا تناقض بينه، لأنه من لدن حكيم خبير، كتاباً متشابهاً، فهو في إعجازه وبيانه وفيما يدل عليه كتاب منتظم متكامل المعاني والدلالات، «اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا»، وقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ». فلا بد أن يرد الآيات القرآنية إلى بعضها البعض، ويرد ما تشابه منها إلى المحكم، وينظر فيما يبحث فيه من كلمات ومفردات أو من معانٍ للآيات ليصلها بما شابهه أو بما أشبهه في سائر آيات الكتاب العزيز وسوره، بحيث لا ينقض ما يصل إليه ما هو ثابت في كتاب الله عز وجل، وإلا فلا ريب أن هذا الذي يصل إليه أو يأتي به يكون حينئذ مردوداً عليه. ثم لا بد أن ينظر في الصحيح الثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام فإنه حجة يفسر به كلام الله عز وجل، وأما ما لم يثبت عنه فلا عبرة به، فلا يلتفت إليه ولا يحتج على ما يوجد في كتب التفسير في تراثنا الإسلامي الكبير الممتد من روايات ضعيفة بل حتى ومن بعض الإسرائيليات على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يحتج بها على أقوال العلماء، فالمعول عليه والمحتكم إليه إنما هو السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان فيه اختلاف بين أهل الصنعة فهذا يمكن أن يكون في دائرة المقبول التي تتسع له الآراء. أما أن يعمد إلى أساطير وخرافات أو إلى إسرائيليات أو إلى روايات مكذوبة مصنوعة فهذا لا عبرة به. كذلك لا بد له أن ينظر في القراءات لأنها جميعاً مما، أي القراءات السبع أو القراءات العشر، مما تلقته هذه الأمة بالقبول، متواترة كانت أو مستفيضة فيها مقبولة محتج بها، فلا تمايز بينها ولا تفاضل بينها لأنها جميعاً مما يقرأ به كتاب الله عز وجل، وحينئذ لا بد من الالتفات إليها في تفسير كتاب الله عز وجل. بعد ذلك يتفاوت فيما يستعمله المفسر أو الناظر أو المتدبر في آيات الكتاب العزيز من مواهب ومعارف يمكن أن تعينه للوصول إلى مبتغاه، فقد ينظر في التاريخ وحركة التاريخ ليعزز ويأنس بفهمه لما يجده في كتاب الله عز وجل، وقد ينظر في شيء من العلوم العصرية التي تفيده أيضاً في تأكيد ما توصل إليه نظره وأداه إليه اجتهاده وهو متمكن قادر على ذلك كما تقدم، ثم يمكن له أن يستعمل كما تقدم ما فتح الله عز وجل عليه من مواهب ومعارف. ولما تحدثت عما يتعلق ببعض العلوم اللازمة فإن منها لا شك علوم الشريعة، من نحو علوم القرآن لمعرفة الناسخ والمنسوخ ومعرفة علم أصول الفقه لكي يتبين الألفاظ ودلالاتها والأحكام الشرعية وكيفية بناء الأدلة لها أو كيفية إثبات الأدلة الشرعية لهذه الأحكام ومعرفة ما يترتب على الألفاظ من أحكام شرعية كالعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والاستثناء ودلالات الألفاظ والمنطوق والمفهوم والمفهوم الموافق والمفهوم المخالف، فهذه من العلوم الأساسية التي يحتاج إليها من ينظر في كتاب الله عز وجل. هذا باختصار شديد، لا يعني أن الأمر غير متاح ولا يتأتى لكثير من الناس، وإنما المطلوب أن يؤهل الناس أنفسهم وأن يسعوا مجتهدين في طلب العلوم التي تعينهم على فهم كتاب الله عز وجل، ولا يوجد ما يمنع من أن يبحثوا وأن يدرسوا ثم بعد ذلك يعرضوا ما توصلوا إليه على أهل الاختصاص من الراسخين في العلم من العدول الثقات، وهذا شرط أيضاً لا بد منه لأن التعامل مع كتاب الله عز وجل يستدعي التقوى والعدالة والمروءة وحسن الخلق، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يعني قال بصحته عدد من علماء الحديث: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». هؤلاء، هذه الأصناف الثلاثة التي ذكرها هذا الحديث النبوي الشريف، إنما هم لأنهم أخلوا بالشروط المتقدم ذكرها، فإما أن يؤتوا من جهلهم، أو أن يؤتوا من قبل مبالغتهم وغلوهم في تأويل ظواهر الكلمات والنصوص القرآنية في غير ما تحتمله ولا غير الوجوه التي يمكن أن يستوعبها النص القرآني، أو أن يؤتوا من سوء ديانتهم ومن خبث طويتهم وسوء مقاصدهم، وهذا هو التأويل الذي يشير إليه الحديث، هذا هو تأويل الغالين، لأن لهم مآرب ومقاصد يريدون أن يصلوا إليها، فإن وقعوا في ذلك أي في شيء من هذه الخلال فإنما هم من أهل الأهواء والبدع الذين لا يلتفت إلى أقوالهم بل تطرح ويرد عليها ويبين يكشف عوارها ويظهر الحق للناس والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- هل يكفي النظر في كتب التفاسير عند الاستشهاد بالآيات سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- شروط أهلية تفسير كتاب الله الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- صحة مقولة القرآن حمال أوجه وضوابط التفسير التخصصي سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- ضابط الاستشهاد بآيات القرآن على الأحداث المعاصرة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- أسباب صعوبة تدبر القرآن وعلاجها فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي