تفسير «فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد» ومن يدخل الجنة

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-11-07

السؤال

يطلب تفسير قوله تعالى، ولربما أحدث عند البعض نوعاً من الارتباك في فهم الآية: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير، جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير". هل هؤلاء الذين ذكروا، هذه الأصناف كلها تنال هذا الحظ من الجنة والثواب؟

الإجابة

هذه الآية هي أيضاً مما اختلف، أو هذا السياق القرآني هو مما اختلف فيه المفسرون قديماً وحديثاً. وسبب الاختلاف هو هذا النعيم المذكور في الآيات القرآنية، هل هو شامل للأصناف الثلاثة المذكورة؟ فالله تعالى يقول: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك الفضل الكبير، جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير، وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب". هل هذا النعيم والثواب يشمل الأصناف الثلاثة؟ الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات؟ أو أنه خاص بالبعض منهم دون بعض؟ وهذا الخلاف في التفسير ممتد إلى عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فمنهم من يرى أنه شامل للأصناف الثلاثة، لكنه يقيد الظالم لنفسه بالتوبة، أي أن يكون ظالماً لنفسه لكنه يتدارك نفسه بالمتاب قبل وفاته. وأما المقتصد، فهو الذي لا يبلغ درجة السابقين لكنه ليس كأولئك الذين ظلموا أنفسهم. وأما السابقون بالخيرات فأمرهم واضح. ومنهم من يقول بأن الظالم لنفسه هو الذي يكون ظاهره خيراً من باطنه، والمقتصد الذي يستوي معه الظاهر والباطن، والسابق بالخيرات هو الذي يكون باطنه خيراً من ظاهره. ومنهم من ذهب بتأويلات أخرى كثيرة، بعضها يحتمله السياق والبعض منها لا يحتمله السياق في الحقيقة. والذي يظهر أن مفتاح الجواب لفهم معنى هذه الآية الكريمة هو في اسم الإشارة "ذلك". فـ "ذلك" هو اسم إشارة لمفرد بعيد. ونحن إذا نظرنا في كتاب الله عز وجل سنجد أن من إعجاز القرآن ومن بلاغته وبيانه أنه يفرق بين اسم الإشارة لمفرد واسم الإشارة للجمع. فنحن نجد أن الذي يقابل هذه الكلمة للجمع هو "ذلكم"، والقرآن الكريم يعني ترد فيه اسم الإشارة "ذلكم" بكثرة، فإذا ما فحصنا هذه المواضع وجدنا أنها تعود على جمع. وأما "ذلك" فإنه يعود إلى مفرد. ولنضرب لذلك بعض الأمثلة، يقول ربنا جل وعلا: "وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم"، ثم قال: "وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم". فاسم الإشارة يعود إلى هذه الأصناف المذكورة المتقدمة. ويقول ربنا أيضاً في سورة البقرة: "وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم"، فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم، اثنين. نجد استعمالاً، وسنؤخره قليلاً، لـ "ذلك" و"ذلكم" في سياق واحد، لكن سنأتي أيضاً من موضع آخر لاستخدام "ذلكم" للعودة إلى الجمع، يقول ربنا جل وعلا أيضاً: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم عند ربكم". إذاً "ذلكم" تختلف عن "ذلك". سنأتي إلى سياق تستخدم فيه "ذلك" و"ذلكم". يقول الله تبارك وتعالى: "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب، قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد". قال: "ذلك متاع الحياة الدنيا"، والإشارة تعود إلى "حب الشهوات". ثم لما فصل في النعيم الذي ينتظر في ما هو خير وأفضل من هذه الشهوات المتقدمة، لما فصل في الشهوات فصل في النعيم، فقال "ذلكم": "قل أؤنبئكم بخير من ذلكم"، ليعود إلى ما فصل من شهوات تقدمت، من النساء وحب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ولذلك قابلها أيضاً نعيم مفصل لأنها تقابل هذه الشهوات، فقال: "جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله". "ذلكم"، إذاً بالفعل صار جمعاً. ولذلك فإن هذه الآية الكريمة، "ذلك" اسم إشارة لمفرد يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور إليها هو السابق بالخيرات: "فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله"، ويكون النعيم والضمائر الواردة، "جنات عدن يدخلونها"، يعود إلى هؤلاء لأن ضمير "ذلك" يعود إليهم، لأن اسم الإشارة "ذلك" يعود إليهم. ولا يقال بأنه لماذا قال "ذلك" اسم إشارة لبعيد، لأن اسم الإشارة لبعيد في القرآن الكريم يرد كثيراً يعني يكاد يصعب حتى أن تحصر الأمثلة للاستشهاد بها في بيان علو المنزلة، فيشار إلى القريب باسم إشارة بعيد للدلالة على علو المنزلة. ثم إن الوصف هو وصف لمفرد، قال: "ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات"، فهو مفرد، فهو يعود إلى هذا المفرد، يعود إلى هذا المذكور أخيراً لأنه مفرد، ويكون النعيم المذكور في الآيات التالية عائداً إلى هؤلاء، والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

تفسير «فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد» ومن يدخل الجنة
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي