السؤال
لو افترضنا أنه يوجد في بلد ما نساء عوانس أو مطلقات أو أرامل، ويرغبن بالستر والزواج ولكن لا أحد يتقدم إليهن، فهل يأثم الرجال بعدم الزواج بهن بحجة عدم الرغبة بالتعدد مع إمكانياتهم مادياً ومعنوياً؟ وما النصيحة للنساء والرجال في هذا الموضوع؟
الإجابة
هنا علينا أن نعلم شيئاً، أن الأصل في الإنسان أنه لا يجب عليه شيء دون أن يوجبه الشرع، نحن إذا جئنا إلى الشرع جعل الأمر بالزواج في الواحدة، والجماهير من أهل العلم يقولون إن الأصل في الزواج أنه غير واجب، مطلق الزواج، أنا أقول على كل: من تاقت نفسه إلى الزواج وكان قادراً عليه ولم يخش على نفسه أن يظلم الطرف الآخر -أي أن يترتب على هذا الزواج ظلم للطرف الآخر- فأقول الأصل فيه أنه واجب ويأثم الإنسان بتركه. أما من كان غير قادر على الزواج مادياً أو كان غير قادر على الزواج إدارياً أيضاً بأن يلزم من زواجه ظلم لطرف آخر، فمثل هذا لا يجوز له الزواج فضلاً عن أن يكون هذا الزواج مباحاً، الفقهاء يذكرون قضية وهذا كله كما قلت في الزواج بالمرأة الواحدة، والزواج بأكثر من واحدة باتفاق لا يجوز.. باتفاق لا يجب. هنا نقول شيئاً، يقول الفقهاء: إن تعارض عند إنسان أمران، الأمر الأول أنه يخشى الوقوع في الحرام، والأمر الثاني أنه يخشى ظلم المرأة التي يقترن بها، فهو عنده سبب موجب للزواج هو خشية الوقوع في الحرام ويعلم أنه إن تزوج فلن يقع في الحرام، وفي الجانب الآخر عنده سبب مانع من الزواج هو ظلم المرأة التي يتزوجها، هذان سببان متعارضان، قال الفقهاء: إنه يغلب السبب المانع والمحرم على السبب الموجب، فلا يجب على هذا.. فلا يجوز لهذا الإنسان الذي يخشى من زواجه أن يظلم المرأة، لا يجوز له أن يتزوجها. قد يقول قائل: كيف يعلم الإنسان من نفسه أنه يظلم الطرف الآخر؟ الإنسان عليم بنفسه حينما يعاشر الآخرين وحينما يتعامل مع الآخرين هل يظلمهم أم لا؟ من كان يعلم من نفسه أنه لغضبه لا يستطيع أن يتمالك نفسه وأنه يضرب المرأة ويظلمها أو يحرمها حقها في الإنفاق أو نحو ذلك، هذا كله ظلم لا يجوز، وهذا الضرب أيضاً لا يجوز كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن أناس يضربون نساءهم، فغضب صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال: «ما أولئكم بخياركم، خياركم خياركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، فهذا الضرب اعتداء لا يجوز، هذا الضرب اعتداء لا يجوز. يعني كم هي الحالات الكثيرة التي بلغتنا من قبل أناس أنهم ضربوا أزواجهم حتى بقيت الزوجة في المستشفيات أياماً، هل هذا جائز؟ أليس هذا اعتداءً؟ كما أنه لا يجوز له أن يضرب الآخرين فلا يجوز له أن يضرب امرأته، كم هم الذين تسببوا في عاهات دائمة لأزواجهم، هؤلاء ألا يعلمون من أنفسهم أنهم ظالمون؟ ألا يعلمون من أنفسهم أنهم لن يستطيعوا التعامل مع طرف آخر دون أن يروضوا أنفسهم؟ إذاً هذا الآن كل.. هذه كلها أسباب تجعل الإنسان لا يتزوج، ومن حيث الأصل على رأي جماهير الفقهاء الزواج سنة وليس بواجب. إذاً إذا كان هذا في الزوجة الأولى فماذا سنقول في الزوجة الثانية؟ نقول إنه يتأكد، إذاً لن نستطيع أن نزوج.. أن نقول إنه يجب على هؤلاء الزواج بالثانية، على أن الزواج بالثانية قد.. هذا الأمر مباح، ربنا سبحانه وتعالى أباح من النساء مثنى وثلاث ورباع، هذا بنص القرآن الكريم لا أحد يستطيع أن يحرم هذا الأمر فالنص جلي في وضوحه، لكن مع قيد: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}. وكثير من الفقهاء والظاهر أنه هو الأرجح يقولون إن السنة في الواحدة، وإن التعدد خلاف الأصل، ولذلك فالتعدد لا بد له من سبب، ليس على سبيل الاشتراط وإنما على سبيل الأفضل، فقهاء كثيرون يقولون هذا ولعل هذا هو الأولى وهو الأقرب إلى الدليل، لكن مع ذلك كله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}، أي إن كان هنالك خوف -ليست القضية أنه يقين- إن كان هنالك يقين أنه لن يعدل في تعامله فهذا يحرم معه أن يتزوج الزوجة الثانية، لكن إن كانت هنالك خشية: أنا أخاف على نفسي أني لا أعدل، أخاف، فهو الخشية من عدم العدل وليس هنا يقين أنه سيظلم، ففي حال اليقين أنه سيظلم ولن يعدل هذا يحرم عليه الزواج بالثانية قولاً واحداً لظاهر هذه الآية. ومن هنا أقول إنه مع وجود مثل هذه الأمور لا يجوز، أنت الآن كيف ستلزم الآخرين يتزوجوا الثانية؟ ثم إن العدل أو إن المسوغ للزواج في.. بالثانية هو القدرة على إدارة بيتين أو ثلاثة أو أربعة، فلا يكون حال هذا الإنسان لأنه يريد أن يحسن إلى غيره، أن يحسن إلى امرأة هي عانس أو أن هذه المرأة أرملة أو مطلقة وهو يريد أن يحسن إليها وفي الجانب الآخر يرجع بالظلم أو بالظلم على أهل بيته الأول. هنالك حالات كثيرة، هذه الحالات -كوني عملت أولاً في القضاء ثم عملت بعد ذلك في الإفتاء- حالات متعددة كثيرة، أناس لا يتقون الله تعالى في الزواج بالثانية، هو مباح شرعاً ولا إشكال في ذلك، لكنه لا تكون هنالك تقوى لله سبحانه وتعالى، فكم هي الحالات التي يأتي فيها هؤلاء الأشخاص وبسبب عدم قدرته على الإدارة، على إدارة البيت، تأتي الأولى وتشتد عليه في حديثها وقد تمارس عليه ضغوطاً معينة مما يحمله على أن يطلق الثانية، إذاً أنت إذا كنت غير قادر من الأصل فلماذا تتزوج الثانية؟ وقد يحصل العكس ويطلق الأولى، فإذاً هنا هدم بيت قائم في سبيل شيء لا يعلم عنه ماذا سيكون. قد يكون هنالك.. لا نتكلم عن الميل القلبي لكن قد يكون هنالك ظلم مادي، كم النساء اللائي يأتين يقلن إنهن ما عدن يرين أزواجهن بعد ذلك، هذا ظلم. على أي حال القضية أنه توجد عوانس وغير ذلك فعلاً هي قضية لا بد للمجتمع من أن ينظر إليها، لكن هذا النظر لا بد من أن يكون نظراً موافقاً للحكمة لا أن يحدث لنا آثاراً سلبية أخرى، فليس الناس كلهم سواء في قدرتهم على تحمل إدارة بيتين سواء كان ذلك مادياً أم كان ذلك نفسياً ومعنوياً، وأنا أرى أن القدرة النفسية والمعنوية على حسن الإدارة هذه قدرة لا يؤتاها كل أحد، قليل من الناس يؤتون ذلك. من أوتي هذه القدرة دون أن يدخل ضرراً دون أن يدخل مشقة على أحد فلا حرج، والقضية من حيث أحكامها كثيرة ومتعددة، فلذلك لا بد من أن نعلم من حالنا هل نستطيع تطبيق هذه الأحكام ما بعد التعدد أم لا نستطيع تطبيقها؟ وهذا بتيسير الله سبحانه وتعالى بينته مفصلاً في كتابي الذي منّ الله تعالى به عليّ ويسره لي كتاب «وفاء دليلك الشرعي إلى فقه التعامل مع الزوجات»، هذا الكتاب كله يتحدث عن هذه النقطة منطلقاً من حديث.. من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإننا نعلم من حاله أنه تزوج واحدة في عهد السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها، وكما يقول يعني أهل العلم يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم أكرمها بأن لم يدخل عليها.. بأن لم يدخل عليها ضرر الضرائر، وما تزوج صلى الله عليه وسلم عليها امرأة أخرى إلى أن توفيت، فتزوج صلى الله عليه وسلم، لكنه بعد ذلك تزوج صلى الله عليه وسلم ومات عن تسع من النساء كما نعلم، فمجمل نسائه إحدى عشرة امرأة لكنه مات عن تسع، فقد ماتت اثنتان في حياته رضي الله تعالى عنهن. فالتعامل مع هؤلاء التسع في قمة السمو، في قمة الرفعة، ما كان صلى الله عليه وسلم يرفع صوتاً على امرأة، ما كان يحرم صلى الله عليه وسلم امرأة من حق، ما كانت كل امرأة إلا تظن أنه يحبها حباً لا يحب غيرها مثله، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسلم على نسائه كلهن يومياً مرة بعد الصباح بعد صلاة الفجر وبعد أن تشرق الشمس ومرة بعد العصر، وتجتمع في كثير من الأحيان نساؤه كلهن يجمعهن يومياً في كل ليلة، هذا كله من حسنه من حسن تعامله صلى الله عليه وسلم، فنحن ننظر إلى هذا كله ونتأسى بنبينا صلى الله عليه وسلم إن ابتلينا بمثل هذا الأمر لأجل أن لا يكون هذا الأمر سبباً لأن نظلم، لأجل أن لا يكون هذا الأمر سبباً لأن يتفرق المجتمع، وهذا الخطأ فيه يؤدي ليس إلى فرقة الأباعد بل يؤدي إلى فرقة الأبناء، فرقة أولاد الرجل الواحد، فرقة الإخوة إن لم يستطع الإنسان أن يحكم قيادة هذا الأمر، أسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والتيسير لكل ما يحبه ويرضاه، والله تعالى أعلم.
المفتي
جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
تفريغ جلسات الإفتاء العامّة للشيخ الدكتور ماجد بن محمد الكندي من يوتيوب، مدقّقةً ومراجَعة.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- شروط تعدد الزوجات وموازين العدل مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- استئذان الزوجة الأولى عند إرادة التعدد سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- سخط الزوجة من تزوج زوجها بأخرى مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- الزواج بثانية دون علم الأولى مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- ما هي أحكام الزواج في الإسلام فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي