السؤال
في قصة سيدنا موسى عليه السلام في سورة الكهف، نجد تكرار كلمة «أهل» في الآية: «فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا». هل الكلمتان «أهل» و«أهلها» تدلان على معنيين مختلفين؟ إذ ليس من عادة القرآن الكريم أن يأتي بالتكرار، هكذا يقول.
الإجابة
أولاً نقول بارك الله فيه، فهذه الأسئلة تكشف عن عناية بكتاب الله عز وجل، فإما أن يكون من أهل الاختصاص، أو أن أدعوه إلى أن يقرأ أكثر إن كان قد تنبه لهذه المواضع بنفسه، فهذا يكشف عن ملكة ينبغي أن توجه إلى تدبر آيات كتاب الله عز وجل والقراءة في تفسير القرآن العظيم، لأن مثل هذا بحمد الله تعالى حريٌّ أن يبدع إذا كانت هذه الأسئلة قد تواردت إلى نفسه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياه إلى فهم كتاب الله عز وجل والعناية به، آمين يا رب العالمين. أما الجواب فالمسألة طويلة، المسألة طويلة لكن الجواب قصير، لا لا الجواب قصير، جيد، قصدت بطويلة أنني اطلعت على ما علق في ذاكرتي، اطلعت عند الإمام الطاهر بن عاشور أنه نقل أن الصلاح الصفدي توجه بسؤال نظماً إلى تقي الدين السبكي في خصوص هذه المسألة، وأن هذه المحاورة نقلها الألوسي في تفسيره، فشدني ذلك إلى أن أبحث عنها في تفسير الألوسي، فوجدتها. وإن كان الطاهر بن عاشور يعني يرى بأن المسألة، أن السؤال والجواب لا نفع منه، وإنما الجواب يعني مختصر وسأذكره، لكن هنا الحقيقة لما رجعت إلى ما دار بين الصفدي والسبكي وجدت فوائد حريٌّ أن يتعرف عليها أهل الاختصاص، لأنها تكشف وجوه البلاغة والإعجاز في كتاب الله عز وجل حينما تجتمع مع علم النحو ومع الملكة والذوق الرفيع للنظر في آيات الكتاب العزيز ومع علوم البلاغة. فيمكن أيضاً للسائل أن يرجع في تفسير الألوسي سيجد هذه المناظرة في سورة الكهف في هذا الموضع: «حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ». باختصار ما الذي أجاب به الإمام السبكي؟ لأنه يرى أنه لا يصح غير هذا الوجه أصلاً، يعني كان السؤال أن العادة في كتاب الله عز وجل أن يعمد إلى الاختصار طالما أن الاختصار وأن الإضمار يغني عن الإتيان بالظاهر، فالمسلك هو الإيجاز، وهذا صحيح مطرد، لكن إن وجدت نكتة بلاغية فالإظهار هو المسلك. لكن في هذه الآية جواب الإمام السبكي يعني يقول بأنه لا يصح أصلاً غير هذا، ما الذي يقصده؟ يقول بأن محل هذه الجملة «اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا»، «حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا»، هذا الوصف هو للقرية، هذه الجملة، جملة «اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا» هو وصف للقرية وليس وصفاً للأهل. لا، الجملة وصف، هذه الجملة «اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا»، هذه الجملة من فعل وفاعل ومفعول به، فهذه الجملة هي وصف للقرية. طيب ما الذي يحدثه هذا من فرق؟ أنه لا بد من الإتيان بالاسم الظاهر لأن ليس المقصود وصف أهل القرية، المقصود وصف القرية نفسها، وأن هذه القرية ما الذي يترتب عليها كما يقول؟ هما موسى عليه السلام والخضر أو العبد الصالح لا يتصور أنهما مرا على كل أهل القرية، لعلهما مرا على نفرين والثلاثة أو على جمع هنا وجمع هناك فاستطعماهم فأبوا أن يضيفوهما. هل لو أن القرآن الكريم قال: «فاستطعماهم»، أي أولئك الذين لقيهما موسى عليه السلام والخضر دون سواهم من أهل القرية، فسيصبح الوصف بامتناع عن الضيافة لأولئك النفر أو الجمع الذين لقيهم موسى والخضر، لكن المقصود هو وصف القرية كلها، الذين لقيهم موسى والخضر عليهما السلام والذين لم يلتقوا بهم. فهذا هو يعني المعنى الذي يريد أن يذكره الإمام السبكي في جوابه، لكن الحاصل أن خلاصة الجواب أنه لزيادة التشنيع في تحقير فعل أهل القرية، فالإتيان بالاسم الظاهر يراد منه تشنيع وصفهم بالشح والبخل والتأكيد على هذا المعنى، يعني من المفسرين الأوائل من قال إن المقصود هو التأكيد، فالبعض تعقب هذا بأن التأكيد غير ظاهر، لا هو تأكيد المعنى الذي تريد الآية الكريمة أن تبرزه، والمعنى الذي تبرزه الآية الكريمة هو تحقير شأن أهل هذه القرية بإبائهم عن الضيافة، وكانت معهودة من عهد إبراهيم عليه السلام وأن هذا هو الأصل فيهم، ولكن بإبائهم استحقوا هذا الوصف، فأراد القرآن الكريم أن يؤكد، أن يشنع على أهل هذه القرية بحقارة ما أتوا، والله تعالى أعلم. وهو يعني هنا الأسلوب اللغوي الذي يحقق هذا الغرض، فالأسلوب اللغوي من معاني الإتيان بالاسم الظاهر الغريب أنه يأتي للتعظيم ويأتي أيضاً للتحقير، الإتيان بالاسم الظاهر، هنا في هذا السياق لأن السياق كله يدل على التحقير والتشنيع عليهم، فدل على أن الإتيان بالاسم الظاهر إنما يراد به زيادة في كشف يعني هذه المساوئ وفي التشنيع بهذا الفعل الذي أتوا، والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- تقديم «للناس» وتأخيرها في آيتي الإسراء والكهف سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- سر اختيار القرآن لفظ أهل الذكر بدل أهل العلم سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- السر البلاغي في "أنلزمكموها وأنتم لها كارهون" سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- إسناد إرادة السقوط للجدار في آية الخضر مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- حكمة استيقاظ أصحاب الكهف والعبرة منه للمجتمع سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي