تنزيه الله عن المكان وأدلّة «في السماء»

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#العقيدة 2026-11-06

السؤال

هل هذه الآيات والأحاديث تدل على أن الله موجود في السماء على حسب معتقد بعض المسلمين؟ فهم يستدلون بهذه الأدلة حسب ما يعتقدون بأن الله موجود في السماء على العرش. في الآية الأولى قال الله تعالى: "أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور، أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير"، وقال تعالى: "يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون"، وقال تعالى: "الرحمن على العرش استوى"، وجاء في حديث الجارية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله؟ قالت في السماء، فقال من أنا؟ قالت رسول الله، فقال لصاحبها أعتقها فإنها مؤمنة، وقال رسول الله: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وعندما فرض الله الصلاة على الرسول في السماء السابعة خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزل إلى موسى عليه السلام في السماء السادسة فقال له ما فرض ربك على أمتك؟

الإجابة

نعم هو معتقد، والحق في هذه القضية هو أن الله عز وجل موجود قبل خلق الزمان والمكان، ولا ريب أن السماوات والأراضين إنما هي من صنع الله عز وجل الذي خلق السماوات والأرض، وهو جل وعلا كان موجوداً قبل خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان قبل خلق الزمان والمكان، ولذلك فإنه تعالى لا يوصف بالمكانية لأن في ذلك تجسيداً له وتجسيماً، والله عز وجل منزه عن التجسيد وعن التجسيم، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، وحينما وصف نفسه وصف نفسه بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، وقال: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى موجود وهو واجب الوجود لكن لا يحويه مكان ولا زمان، لأن المكان والزمان إنما هما من صنع الله عز وجل، وكما أن لهما بداية فإن لهما نهاية، والله سبحانه وتعالى قد بين في كتابه الكريم أنه جل وعلا إله في السماوات وإله في الأرض، فكما أن هناك بعض ظواهر الأدلة التي يمكن أن يفهم منها بعض الناس أن الله سبحانه وتعالى في السماء جل وعز عن ذلك، هناك أدلة كثيرة لابد أن ترد إليها تلك الآيات المتشابهات، ترد إلى هذه الأدلة القرآنية المحكمة التي تبين أن الله سبحانه وتعالى لا يحويه مكان ولا زمان، هو خالق المكان والزمان، وهو موجود قبل الزمان والمكان، وسيظل حياً باقياً جل وعلا بعد الزمان والمكان، هذا خلاصة ما يمكن أن نقرره في هذه المسألة، أما ما يتصل ببعض الأدلة التي ذكرها ففيما ذكر من آيات قرآنية فقلنا بأن بعضها إنما هو من المتشابهات التي لابد أن ترد إلى الآيات المحكمة، فالله تعالى يقول: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ}، فهل هذا يعني لمن قال بأن لله تعالى مكاناً وأنه في السماء أن له مكانين؟ مكاناً في السماء ومكاناً في الأرض؟ وحينما يقول: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}، فهل هذا يعني أن الله تعالى بذاته يحل في مكان ما بحيث إنه موجود في قبلة كل من ولى وجهه لله تعالى اتجه شرقاً أو اتجه غرباً، اتجه شمالاً أو جنوباً؟ وأما أيضاً ما أشار إليه من بعض الروايات فهي أولاً أحاديث آحاد، وأحاديث الآحاد لا يحتج بها في مسائل الاعتقاد لأن العقيدة إنما تبنى على يقين، والآحاد لا يفيد إلا ظناً، فلا يمكن أن يحتج بالآحاد هذا إن لو صحت، ومع ذلك فحديث الجارية قد تكلم فيه شيخنا العلامة القنوبي حفظه الله تعالى وعافاه ومنّ عليه بالشفاء أكثر من مرة في هذا البرنامج وبين طرقه وبين طرقه الصحيحة، لأن بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسألها أين الله وإنما سألها عن ربها فقالت الله، وفي روايات سألها أهي مؤمنة فقالت نعم، و يعني هذا فيما يتصل بهذه الرواية، لم أحفظ الرواية الأخرى التي ذكرها أيضاً.

الحاصل نعم، الحاصل أن ما يتصل بالروايات هي ليس في الروايات ما يمكن أن يرقى إلى أن يكون حجة في المسائل العقدية، وكما أنها توجد أيضاً مثل هذه الروايات وللمحدثين ولأهل العلم فيها كلام طويل، فهناك أيضاً روايات كثيرة حينما ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المصلي أن يبصق باتجاه القبلة ويقول: "فلا يبصق اتجاه القبلة فإن الله قبله"، هل يعني هذا أن الله سبحانه وتعالى موجود بذاته أمام المصلي حالاً في مكان ما؟ ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبصق المصلي باتجاه القبلة، لذلك فيما يتصل بأمور العقيدة لابد من أن ترد الآيات والأدلة المتشابهة إلى الأدلة المحكمة، ولابد من أن يستمد من الشرع وأن يهتدى في ذلك أيضاً بالعقل، وأن تجمع الأدلة بحيث لا يكتفى بالنظر في ظواهرها، وإنما ينظر في معانيها التي تحتملها اللغة، فإن الله سبحانه وتعالى قد أنزل كتابه بلسان عربي، وهذا يعني أن المخاطبين مكلفون بأن يفهموا هذه الأدلة وفقاً لما وجد في لغتهم من أساليب ومن طرق ومن قواعد ومبادئ وأسس يبنون عليها أو يميزون بها أو على أساسها بين الحقيقة والمجاز، وبين العام والخاص، وبين المطلق والمقيد، وبين ما كانت دلالته نصاً وما كانت دلالته ظاهرة، لكن خلاصة ما يمكن أن نقربه للسائل في هذه المسألة هو هذا الذي يتوافق مع العقل كما أنه لا ريب ينبثق أساساً مع النصوص الشرعية الواردة في هذه القضايا.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

تنزيه الله عن المكان وأدلّة «في السماء»
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي