السؤال
رجلٌ اقترض من البنك مبلغاً يصل إلى ملايين الريالات، وأخذ يتاجر بذلك المبلغ حتى تضاعفت الأموال، ثم بعد ذلك أراد التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، كيف تكون توبته؟
الإجابة
وأما فيما يتعلق بالسؤال المذكور، فالظاهر أن هذا السائل إنما اقترض من البنك أو من المصرف قرضاً ربوياً، أي أنه أخذ هذه الأموال بالربا. ونحن نعلم قبل أن نأتي إلى الحكم وقبل أن نبين الذي عليه فيه، نحن نعلم أن الربا إنما هو كبيرةٌ من كبائر الذنوب، بل هو من أعظم الذنوب على الإطلاق بعد الشرك كما قال غير واحدٍ من أهل العلم، وذلك لأن الله تعالى في كتابه الكريم كما تعلمون لم يذكر حرباً على شيءٍ من المعاصي إلا على الربا، وقال سبحانه في سورة البقرة: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا} أي إن لم تتركوا الربا وإن لم ترجعوا وتأخذوا رؤوس أموالكم {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، فهو المعصية الوحيدة التي آذن الله تعالى آكلها، أي آكل الربا، بالحرب، هذا في كتاب الله تعالى.
نعم في السنة هناك معصيةٌ أخرى جعل الله تعالى في الحديث القدسي لها حرباً أيضاً منه سبحانه وتعالى حينما قال الرسول صلى الله عليه وسلم حاكياً عن رب العزة جل وعلا: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب». وهذا كله إنما يدلنا على أن هذه المعصية مما يجب على الإنسان أن يطيب مطعمه منها، {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}. وقد جاء بعض السلف إلى شيخه وفي طريقه رأى رجلاً أجلكم الله وأكرمكم قد شرب الخمر، وشارب الخمر يذهب عقله ويصبح كالبهيمة أجلكم الله، فمر عليه وهو يقفز ومعه شبكة يبتغي منها أن يصطاد القمر، يريد أن يضرب القمر هكذا في الهواء يريد أن يصطاده بسبب شربه للخمر. فهذا الطالب وهو مارٌّ إلى شيخه رأى هذا المنظر القبيح وكيف أن ابن آدم بالمعصية والذنب يهبط إلى أدنى الدرجات، هذا المنظر لا يمكن أن يرضاه عاقلٌ لنفسه، ولكنها المعصية هي التي تورث الإنسان هذا الذل. فقال والله وهو في طريقه، قال: والله ما حرم الله شيئاً أخبث من الخمر، هكذا قال: والله ما حرم الله شيئاً أخبث من الخمر. فذهب إلى شيخه وحكى له قصته وأنه قال هذا الكلام من أنه ما حرم الله شيئاً أخبث من الخمر، ثم إنه دخل شيءٌ في نفسه هل هو حانثٌ في يمينه أو أن هناك شيئاً حرمه الله تعالى وهو أخبث من الخمر؟ فسأل شيخه عن هذا الأمر، فقال له أمهلني ثلاثة أيام، ثم جاءه بالجواب بعد ثلاثة أيام وقال له إني أرى عليك الكفارة، فقال له كيف ذلك؟ فقال شيخه إني تصفحت كتاب الله تعالى كله فما وجدت الله تعالى قد آذن بحربٍ معصيةً من المعاصي سوى الربا، مما يعني أن الربا أخبث من الخمر، الربا أخبث من الخمر، فعليك أن تكفر عن يمينك.
وهذا كله يدلنا على عظم هذه المعصية، معصية الربا، وأنها سببٌ للوبال، وأنها سببٌ للفساد في كل شيءٍ في حياة الإنسان، وما ذلك إلا لأن آكل الربا تمحق البركة كما قال الله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا}. وحينما نقول يمحق الله تعالى الربا فالمحق يشمل كل شيءٍ في حياة الإنسان، فيشمل أمواله، يشمل البركة في ولده، يشمل البركة في بيته، يشمل البركة في زوجه، في كل شيءٍ يعيش فيه هذا الإنسان ويبتغي منه شيئاً في هذه الحياة. ومن هنا كان حرياً بالإنسان أن يبتعد عن الربا إذا ما أراد لأولاده صلاحاً، إذا ما أراد في أمواله بركة، إذا ما أراد براً من زوجته وحناناً.
وجاء في بعض القصص عن بعض أهل العلم قصةٌ واقعة يحكيها بنفسه هذا العالم الجليل، أنه كان يلقي درسه على طلابه، وهذا الرجل قد بلغ شأناً عظيماً في العلم وهو من أئمة الإسلام وله من التصانيف ما له، في يومٍ من الأيام تفتأ في الحديث ولم يستطع أن يتكلم، فقال له طلابه ما بالك يا إمام ما عهدناك هكذا قط؟ أي أنك كنت تسترسل في الحديث استرسالاً. فقال هذا الإمام، وهو رجلٌ موصولٌ بالله تعالى وهكذا الموصولون بالله دائماً يتفطنون إلى أن المعصية قد تؤثر على كل شيءٍ في حياتهم، قال هذا الإمام أظنها من تلك الرضعة، فقالوا له أي رضعةٍ تعني؟ فقال حكى لهم قصته وهو أنه حينما كان رضيعاً، حينما كان صغيراً، ذهبت عنه أمه في شيءٍ من أعمالها، فأخذ يبكي ويصرخ بكاءً شديداً ولم يكن أحدٌ بقربه، إلى أن حنت له جاريةٌ من جواري الجيران، لأنها كانت أمةً مملوكة، فحنت له وجاءت لترضعه، وهذه الجارية مملوكةٌ كما تعلمون بمعنى أنه لا بد من أن تستأذن أهلها لأن كل منافعها إنما هي ملكٌ لهم، فهذه جاءت لترضع هذا الغلام الصغير أو الصبي من غير أن تستأذن ممن يملكونها، فبدأت ترضعه إلى أن جاء أبوه بعد ذلك، حينما رآها جاء مسرعاً إليه وانتزع طفله منها وأخذ يسعى إلى أن يستقيء ابنه هذا اللبن الذي شربه من هذه الجارية، فهو يريد من ابنه ألا يدخل إلى جوفه إلا الطيب، يريد من ابنه ألا يدخل إلى جوفه إلا الحلال حتى ينشأ هذا الابن وتحفه البركة في مراحل حياته كلها. فاستخرج ذلك منه، وحينما علل هذا الإمام تفتأه في الحديث بعد ذلك وأنه غير قادرٍ على الكلام قال أظنها من تلك الرضعة، بمعنى أنه رد هذا الضعف الذي أصابه إلى معصيةٍ قد يكون هذا الإنسان غير مريدٍ لها وغير مكلفٍ في ذلك الوقت، إلا أن المعصية تطبع على الإنسان وشؤمها دائماً يؤثر على الإنسان سواءٌ انتبه هذا الإنسان له أم لم ينتبه من اتخاذ الأمر.
ومن هنا كانت إطابة المطعم شرطاً أولياً لمن أراد من أولاده أن يصلحوا، لمن أراد من أولاده أن يتعلموا، هذا هو الشرط الأول، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «كل لحمٍ نبت من سحت فالنار أولى به». وحينما يقول النار أولى به فمعنى ذلك أن هذا الإنسان سيستجمع كل أسباب الشقاء التي تخرجه من طاعة الله تعالى وتودي به في نار جهنم عياذاً بالله تعالى. وذكر صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عند مسلم: «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك». فهذا كله يدلنا على عظم الربا وعلى عظم كل المحرمات، وأنه على كل واحدٍ منا أن يسعى إلى ألا يأكل إلا طيباً.
والربا هو كما تقدم من أشد الموبقات، لذلك سيؤثر على الإنسان حتماً نسأل الله تعالى العافية. أما هذا الإنسان الذي سئل عنه هنا وأنه اقترض بالربا أموالاً طائلة ثم إنه ثمرها بعد ذلك واستغلها وعظمها بأعماله وتجارته، كيف تكون توبة هذا الإنسان؟ هذا الإنسان في واقع الحال هو اقترض، والقرض من حيث الأصل هو عقدٌ شرعي يراد منه الإرفاق والقربة كما يقول الفقهاء، أي أن القرض من حيث الأصل هو شرعيٌ جائز، إلا أنه صاحبه وصفٌ محرم وهو الربا. وهذا الربا الذي صاحب هذا القرض لم يكن هو الذي يأكله، بل إنه أطعم غيره الربا. ونعلم في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الربا وآكله ومؤكله، فالربا نفسه ملعون، والآكل للربا هو المقرض بالربا، الآكل هو الذي يقرض بالربا يعطي غيره أموالاً ويأخذ عليها زيادة، الآكل للربا ملعون، والمؤكل للربا ملعونٌ أيضاً، أي أنه أعان على تحقيق هذه المعصية بأن تعاقد عقداً ربوياً وأطعم غيره الربا، فهو داخلٌ في اللعنة كما في هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إلا أن التوبة تختلف بين هذين الشخصين، فالشخص الذي يأكل الربا، هذا الشخص نعم توبته أولاً أن يستغفر الله تعالى، والأمر الثاني: {فَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ}، هذا هو شرط التوبة، أي أنه لا يحل له أن يأخذ من الناس إلا رأسه، أما الزيادات التي يأخذها على الربا فهذه محرمةٌ عليه ولا يجوز له أن يثمرها ولا يجوز له أن يأكلها ولا أن يطعمها بنيه، وإن استغل هذه الأموال التي أخذها وهي زياداتٌ ربوية استغلها وثمرها في ظاهر في ظاهر الأمر على الأقل، فكل ما نتج عنها فهو محرم، لأنه كما في القاعدة «ما لِعِرْقٍ ظالمٍ حق»، جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لِعِرْقٍ ظالمٍ حق»، أي أن هذه الأموال ليست ملكه وهي من الربا، فهي ملك ذلك الذي أخذت منه هذه الأموال الذي اقترض بالربا، فكيف يصح لمثل هذا الإنسان أن يستفيد من مثل هذه الأموال؟ لا يحل له، وكل من بنى على استثمار هذه الأموال الزيادات الربوية لا الأصل، الأصل المالي وإنما الزيادات الربوية، فإنه يكون محرماً ولا يحل لهذا الإنسان أن ينتفع منه بشيء.
أما الشخص الثاني وهو مؤكل الربا، فهذا توبته أولاً أن يستغفر الله سبحانه وتعالى وأن يندم على ما مضى على هذا الفعل الذي اقترف، لأنه أتى كبيرةً من الكبائر ولأنه داخلٌ في اللعنة، ولن يخرجه من اللعنة إلا أن يتوب إلى الله توبةً نصوحاً. والأمر الثاني عليه أن يتخلص من هذه المعاملة الربوية فور استطاعته، عليه أن يتخلص منها فور استطاعته، بمعنى أن يرد القرض، وإن استطاع بأي طريقةٍ من الطرق ألا يزيد المقترض ألا يزيد المقرض شيئاً فوق فوق رأس ماله فوق رأس ماله فهذا هو الواجب، وإن لم يستطع فماذا سيفعل؟ المهم عليه أن يتخلص بأسرع وقتٍ من هذا العقد الربوي المحرم. أما كونه يستثمر هذا العقد كما قلت هذا أصله مالٌ مقترض وسيرد مثله، ولكن هذا الأصل المالي نفسه أخذه بالقرض، نعم ذاك يحرم عليه الزيادة الربوية، فهذا إن استثمر هذه الأموال التي اقترضها بالربا ونماها فهي حلالٌ له، لأنها أموالٌ من حيث الأصل إنما هي مقابلةٌ بأموالٍ أخرى جائزة، الحرام إنما هو في المعاملة التي يجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى منها وأن يتخلص فور استطاعته، ألا يمتد به الزمن وهو محاربٌ لله تعالى بمعصية الربا. لكن استثماراته وما نتج عن ذلك كله جائز. وهكذا هنالك أناسٌ كثيرون يبنون بيوتاً بالقروض الربوية، فهل يقال إن ذلك البيت الذي بناه قد تحرم عليه أن يتخلص منه؟ لا، البيت نفسه جائز، لأن العقد إنما هو اقترض أموالاً وهذه الأموال بنى بها بيتاً، هذا البيت جائز، الواجب نعم أن ينهي العقد الربوي وأن يرد الأموال إلى صاحبها وألا يزيد المقرض ألا يزيد على ما أخذ، هذا هو الواجب، لكن البيت نفسه جائز، إلا أنه لا يجوز للإنسان أن يظل هؤلاء وأن يقيهم برد الشتاء وقر الشتاء وحر الصيف بالربا، هذا كله أمرٌ محرم لا ينبغي للإنسان أن يأتيه، وكما قلت لكم أول مراحل التربية أن تستقيم أنت وألا تطعم أولادك إلا الحلال، وحينها سيستجيب أبناؤه بإذن الله تعالى، والله أعلم.
نعم في السنة هناك معصيةٌ أخرى جعل الله تعالى في الحديث القدسي لها حرباً أيضاً منه سبحانه وتعالى حينما قال الرسول صلى الله عليه وسلم حاكياً عن رب العزة جل وعلا: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب». وهذا كله إنما يدلنا على أن هذه المعصية مما يجب على الإنسان أن يطيب مطعمه منها، {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}. وقد جاء بعض السلف إلى شيخه وفي طريقه رأى رجلاً أجلكم الله وأكرمكم قد شرب الخمر، وشارب الخمر يذهب عقله ويصبح كالبهيمة أجلكم الله، فمر عليه وهو يقفز ومعه شبكة يبتغي منها أن يصطاد القمر، يريد أن يضرب القمر هكذا في الهواء يريد أن يصطاده بسبب شربه للخمر. فهذا الطالب وهو مارٌّ إلى شيخه رأى هذا المنظر القبيح وكيف أن ابن آدم بالمعصية والذنب يهبط إلى أدنى الدرجات، هذا المنظر لا يمكن أن يرضاه عاقلٌ لنفسه، ولكنها المعصية هي التي تورث الإنسان هذا الذل. فقال والله وهو في طريقه، قال: والله ما حرم الله شيئاً أخبث من الخمر، هكذا قال: والله ما حرم الله شيئاً أخبث من الخمر. فذهب إلى شيخه وحكى له قصته وأنه قال هذا الكلام من أنه ما حرم الله شيئاً أخبث من الخمر، ثم إنه دخل شيءٌ في نفسه هل هو حانثٌ في يمينه أو أن هناك شيئاً حرمه الله تعالى وهو أخبث من الخمر؟ فسأل شيخه عن هذا الأمر، فقال له أمهلني ثلاثة أيام، ثم جاءه بالجواب بعد ثلاثة أيام وقال له إني أرى عليك الكفارة، فقال له كيف ذلك؟ فقال شيخه إني تصفحت كتاب الله تعالى كله فما وجدت الله تعالى قد آذن بحربٍ معصيةً من المعاصي سوى الربا، مما يعني أن الربا أخبث من الخمر، الربا أخبث من الخمر، فعليك أن تكفر عن يمينك.
وهذا كله يدلنا على عظم هذه المعصية، معصية الربا، وأنها سببٌ للوبال، وأنها سببٌ للفساد في كل شيءٍ في حياة الإنسان، وما ذلك إلا لأن آكل الربا تمحق البركة كما قال الله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا}. وحينما نقول يمحق الله تعالى الربا فالمحق يشمل كل شيءٍ في حياة الإنسان، فيشمل أمواله، يشمل البركة في ولده، يشمل البركة في بيته، يشمل البركة في زوجه، في كل شيءٍ يعيش فيه هذا الإنسان ويبتغي منه شيئاً في هذه الحياة. ومن هنا كان حرياً بالإنسان أن يبتعد عن الربا إذا ما أراد لأولاده صلاحاً، إذا ما أراد في أمواله بركة، إذا ما أراد براً من زوجته وحناناً.
وجاء في بعض القصص عن بعض أهل العلم قصةٌ واقعة يحكيها بنفسه هذا العالم الجليل، أنه كان يلقي درسه على طلابه، وهذا الرجل قد بلغ شأناً عظيماً في العلم وهو من أئمة الإسلام وله من التصانيف ما له، في يومٍ من الأيام تفتأ في الحديث ولم يستطع أن يتكلم، فقال له طلابه ما بالك يا إمام ما عهدناك هكذا قط؟ أي أنك كنت تسترسل في الحديث استرسالاً. فقال هذا الإمام، وهو رجلٌ موصولٌ بالله تعالى وهكذا الموصولون بالله دائماً يتفطنون إلى أن المعصية قد تؤثر على كل شيءٍ في حياتهم، قال هذا الإمام أظنها من تلك الرضعة، فقالوا له أي رضعةٍ تعني؟ فقال حكى لهم قصته وهو أنه حينما كان رضيعاً، حينما كان صغيراً، ذهبت عنه أمه في شيءٍ من أعمالها، فأخذ يبكي ويصرخ بكاءً شديداً ولم يكن أحدٌ بقربه، إلى أن حنت له جاريةٌ من جواري الجيران، لأنها كانت أمةً مملوكة، فحنت له وجاءت لترضعه، وهذه الجارية مملوكةٌ كما تعلمون بمعنى أنه لا بد من أن تستأذن أهلها لأن كل منافعها إنما هي ملكٌ لهم، فهذه جاءت لترضع هذا الغلام الصغير أو الصبي من غير أن تستأذن ممن يملكونها، فبدأت ترضعه إلى أن جاء أبوه بعد ذلك، حينما رآها جاء مسرعاً إليه وانتزع طفله منها وأخذ يسعى إلى أن يستقيء ابنه هذا اللبن الذي شربه من هذه الجارية، فهو يريد من ابنه ألا يدخل إلى جوفه إلا الطيب، يريد من ابنه ألا يدخل إلى جوفه إلا الحلال حتى ينشأ هذا الابن وتحفه البركة في مراحل حياته كلها. فاستخرج ذلك منه، وحينما علل هذا الإمام تفتأه في الحديث بعد ذلك وأنه غير قادرٍ على الكلام قال أظنها من تلك الرضعة، بمعنى أنه رد هذا الضعف الذي أصابه إلى معصيةٍ قد يكون هذا الإنسان غير مريدٍ لها وغير مكلفٍ في ذلك الوقت، إلا أن المعصية تطبع على الإنسان وشؤمها دائماً يؤثر على الإنسان سواءٌ انتبه هذا الإنسان له أم لم ينتبه من اتخاذ الأمر.
ومن هنا كانت إطابة المطعم شرطاً أولياً لمن أراد من أولاده أن يصلحوا، لمن أراد من أولاده أن يتعلموا، هذا هو الشرط الأول، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «كل لحمٍ نبت من سحت فالنار أولى به». وحينما يقول النار أولى به فمعنى ذلك أن هذا الإنسان سيستجمع كل أسباب الشقاء التي تخرجه من طاعة الله تعالى وتودي به في نار جهنم عياذاً بالله تعالى. وذكر صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عند مسلم: «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك». فهذا كله يدلنا على عظم الربا وعلى عظم كل المحرمات، وأنه على كل واحدٍ منا أن يسعى إلى ألا يأكل إلا طيباً.
والربا هو كما تقدم من أشد الموبقات، لذلك سيؤثر على الإنسان حتماً نسأل الله تعالى العافية. أما هذا الإنسان الذي سئل عنه هنا وأنه اقترض بالربا أموالاً طائلة ثم إنه ثمرها بعد ذلك واستغلها وعظمها بأعماله وتجارته، كيف تكون توبة هذا الإنسان؟ هذا الإنسان في واقع الحال هو اقترض، والقرض من حيث الأصل هو عقدٌ شرعي يراد منه الإرفاق والقربة كما يقول الفقهاء، أي أن القرض من حيث الأصل هو شرعيٌ جائز، إلا أنه صاحبه وصفٌ محرم وهو الربا. وهذا الربا الذي صاحب هذا القرض لم يكن هو الذي يأكله، بل إنه أطعم غيره الربا. ونعلم في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الربا وآكله ومؤكله، فالربا نفسه ملعون، والآكل للربا هو المقرض بالربا، الآكل هو الذي يقرض بالربا يعطي غيره أموالاً ويأخذ عليها زيادة، الآكل للربا ملعون، والمؤكل للربا ملعونٌ أيضاً، أي أنه أعان على تحقيق هذه المعصية بأن تعاقد عقداً ربوياً وأطعم غيره الربا، فهو داخلٌ في اللعنة كما في هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إلا أن التوبة تختلف بين هذين الشخصين، فالشخص الذي يأكل الربا، هذا الشخص نعم توبته أولاً أن يستغفر الله تعالى، والأمر الثاني: {فَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ}، هذا هو شرط التوبة، أي أنه لا يحل له أن يأخذ من الناس إلا رأسه، أما الزيادات التي يأخذها على الربا فهذه محرمةٌ عليه ولا يجوز له أن يثمرها ولا يجوز له أن يأكلها ولا أن يطعمها بنيه، وإن استغل هذه الأموال التي أخذها وهي زياداتٌ ربوية استغلها وثمرها في ظاهر في ظاهر الأمر على الأقل، فكل ما نتج عنها فهو محرم، لأنه كما في القاعدة «ما لِعِرْقٍ ظالمٍ حق»، جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لِعِرْقٍ ظالمٍ حق»، أي أن هذه الأموال ليست ملكه وهي من الربا، فهي ملك ذلك الذي أخذت منه هذه الأموال الذي اقترض بالربا، فكيف يصح لمثل هذا الإنسان أن يستفيد من مثل هذه الأموال؟ لا يحل له، وكل من بنى على استثمار هذه الأموال الزيادات الربوية لا الأصل، الأصل المالي وإنما الزيادات الربوية، فإنه يكون محرماً ولا يحل لهذا الإنسان أن ينتفع منه بشيء.
أما الشخص الثاني وهو مؤكل الربا، فهذا توبته أولاً أن يستغفر الله سبحانه وتعالى وأن يندم على ما مضى على هذا الفعل الذي اقترف، لأنه أتى كبيرةً من الكبائر ولأنه داخلٌ في اللعنة، ولن يخرجه من اللعنة إلا أن يتوب إلى الله توبةً نصوحاً. والأمر الثاني عليه أن يتخلص من هذه المعاملة الربوية فور استطاعته، عليه أن يتخلص منها فور استطاعته، بمعنى أن يرد القرض، وإن استطاع بأي طريقةٍ من الطرق ألا يزيد المقترض ألا يزيد المقرض شيئاً فوق فوق رأس ماله فوق رأس ماله فهذا هو الواجب، وإن لم يستطع فماذا سيفعل؟ المهم عليه أن يتخلص بأسرع وقتٍ من هذا العقد الربوي المحرم. أما كونه يستثمر هذا العقد كما قلت هذا أصله مالٌ مقترض وسيرد مثله، ولكن هذا الأصل المالي نفسه أخذه بالقرض، نعم ذاك يحرم عليه الزيادة الربوية، فهذا إن استثمر هذه الأموال التي اقترضها بالربا ونماها فهي حلالٌ له، لأنها أموالٌ من حيث الأصل إنما هي مقابلةٌ بأموالٍ أخرى جائزة، الحرام إنما هو في المعاملة التي يجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى منها وأن يتخلص فور استطاعته، ألا يمتد به الزمن وهو محاربٌ لله تعالى بمعصية الربا. لكن استثماراته وما نتج عن ذلك كله جائز. وهكذا هنالك أناسٌ كثيرون يبنون بيوتاً بالقروض الربوية، فهل يقال إن ذلك البيت الذي بناه قد تحرم عليه أن يتخلص منه؟ لا، البيت نفسه جائز، لأن العقد إنما هو اقترض أموالاً وهذه الأموال بنى بها بيتاً، هذا البيت جائز، الواجب نعم أن ينهي العقد الربوي وأن يرد الأموال إلى صاحبها وألا يزيد المقرض ألا يزيد على ما أخذ، هذا هو الواجب، لكن البيت نفسه جائز، إلا أنه لا يجوز للإنسان أن يظل هؤلاء وأن يقيهم برد الشتاء وقر الشتاء وحر الصيف بالربا، هذا كله أمرٌ محرم لا ينبغي للإنسان أن يأتيه، وكما قلت لكم أول مراحل التربية أن تستقيم أنت وألا تطعم أولادك إلا الحلال، وحينها سيستجيب أبناؤه بإذن الله تعالى، والله أعلم.
المفتي
جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
تفريغ جلسات الإفتاء العامّة للشيخ الدكتور ماجد بن محمد الكندي من يوتيوب، مدقّقةً ومراجَعة.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- القيمة المالية لكفارة الوقوع في الربا فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- خطر الديون الربوية على الدنيا والآخرة مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- كيف أتوب من البيوع المحرمة والبنوك الربوية؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- كفارة التوبة من الربا عند تعذر التخلص منه فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- كيف يتوب من أخذ الربا جاهلاً؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي