عذر من لم تبلغه الدعوة وقيام الحجة بالعقل

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#العقيدة 2026-11-06

السؤال

ما رأي فضيلة الشيخ بالتعريف الجديد للكفر عند بعض المفكرين وهو باختصار: الكافر من أتته الحجة الدامغة وأقر بها ثم كفر وعاند وكابر الحقيقة، ولكن إذا لم تصله الحجة أو وصلته مشوهة ولم يقتنع بالحجة الدامغة فترجى له السلامة إن مات على الإلحاد. هذه الشبهة انطلت على كثير من أنصاف المثقفين يقولون: ما ذنب المرأة العجوز التي ترعى البقر أن تدخل الجنة إن لم تسلم فهي لا تعي أمور الديانات وغيرها وأن الإسلام لم يصلها، وما ذنب الشباب الغربي غير المسلم الذي لا اهتمام له بأمر الديانات وقد وصلت إليه صورة الإسلام على أنه إرهاب وفعلاً عندما يرى الواقع يصدق ذلك وعندما كذلك يرى حال المسلمين، ختم بمقولة للإمام محمد عبده قال: إذا أردت أن تقنع أحدهم بالإسلام أقنعه أولاً أنك لست مسلماً.

الإجابة

أولاً يعني قبل الجواب العلمي مثل هذه الأطروحات أنا لا أعرف منشأ هذا الحدب والعطف على أهل الكفر في مقابل أيضاً الغلظة والشدة على أهل الإيمان، كثير من هؤلاء أيضاً لا يبالون في تصنيف أهل الإسلام، فتجد أنهم يصنفون الملتزم المستقيم أنه متشدد مغالٍ، ويصنفون من كان حريصاً على التأسي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتصنيفات وألقاب فيها من الغلظة والشدة ما يمكن أن ينفر، مع أن الأحرى بهم أن يكونوا أكثر حدباً ورحمة وحثاً لمن كان سائراً في طريق الخير والاستقامة أن يعينوه على نفسه، فإن كانوا هم مقصرين لا يستطيعون أن يتأسوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن يعضوا على أحكام كتاب الله عز وجل بالنواجذ فلا أقل من أن يعينوا غيرهم عسى أن يمن الله عز وجل عليهم أيضاً في يوم من الأيام بالهداية والأخذ بأسباب الاستقامة والصلاح والخير والتقوى، وفي مقابل هذا كله كما تقدم تجد أن الواحد منهم يظهر من الحدب والعطف والرأفة والاكتراث بمصائر عباد الله في أقصى هذه الأرض في جزر نائية أو في أعالي البحار أو في أدنى المحيطات ويكترث لمآلهم وكأن مصائر العباد بيد العباد، وينسى أن الله تبارك وتعالى الملك العدل الحكم العدل وأنه أرأف الناس وأرحمهم وهو جل وعلا الخالق البصير الحكيم العليم الخبير السميع البصير فهو الذي يتولى العباد يوم القيامة. هذه مقدمة فقط. الآن أيضاً بعيداً عن كلام التراث لنأتِ إلى كتاب الله عز وجل في هذا الشأن، حينما نتحدث عن الحجة فإن الحجة نوعان: حجة عقلية وحجة نقلية. أما الحجة النقلية فيقصد بها وهي التي يعبر عنها علماء الإسلام بالسماع، ما يأتي به الرسل من تفاصيل الدين ومن الشرائع والأحكام والأخلاق والأسماء، هذه لا تحصل إلا بالسماع لا تحصل إلا بدليل نقلي، ولذلك أرسل الله تبارك وتعالى الرسل وأنزل الكتب وقال: «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا»، لكنه قال أيضاً وهنا سننتقل إلى الحجة العقلية قال: «وإن من أمة إلا خلا فيها نذير»، قال نذير. وحينما بصرنا ربنا تبارك وتعالى ببداية الخلق قال في كتابه الكريم: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين»، هذا ربنا تبارك وتعالى يقول: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا»، لماذا أقام عليهم هذه الحجة؟ «أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين» حتى لا يحتجوا. هذه في أصل فطرة الإنسان ركب الله تبارك وتعالى من الملكات والعقل ما يمكن هذا الإنسان في فطرته من الاعتراف بوحدانية الرب الخالق سبحانه وتعالى ومن وصفه بأعلى الصفات وأكملها وأفضلها ومن معرفة أن وراء الحادث محدثاً وأن وراء السبب مسبباً وأن وراء هذه الصنعة صانعاً، هذه تدركها العقول السليمة وتصل إلى أن هذا الخالق المبدع الصانع متصف بصفات الكمال ومنزه عن صفات النقص، كما أنها يمكن أن تصل بالإنسان إلى أن يترقى في درجات الكمال الإنساني فيترفع عن الصفات البهيمية الحيوانية، هذه الآية تتكلم عن هذا الجانب ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يقول: «فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم»، ورسولنا صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كل مولود يولد على الفطرة»، وهو متسق تمام الاتساق مع هذه الآية الكريمة، ثم يقول: «فأبواه يهودانه ويمصرانه ويمجسانه»، وفي رواية: «كل مولود يولد على هذه الملة فأبواه يهودانه ويمصرانه ويمجسانه»، وفي رواية: «وما من نسمة إلا وهي مولودة على الفطرة»، أحاديث صحيحة متسقة تمام الاتساق مع هذه الآية الكريمة، نجد أن الله تبارك وتعالى قال لهم خزنة: «ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء»، ثم قال: «وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل»، فهناك حجة قامت عليهم بالسماع وهناك حجة قامت عليهم بالعقل. الآن لا بد أن نفهم أن الحجة تقوم على العباد من جهتين: حجة عقلية فإذا كانوا أهل عقول سليمة فإن وهذا ما يعبر عنه أهل الإسلام الإيمان بوحدانية الله بوحدانية الخالق بوحدانية الرب وإن لم يصلوا إلى اسمه مما يتوصل إليه بالعقل السليم ومعرفة أنه الصانع المحدث لهذا الكون وأنه متصف بالقوة والقدرة وأنه في أعلى ما يمكن أن يصفه به العقلاء هذا مما تقوم به الحجة عقلاً فهم مؤاخذون على هذا ولا يعذرون ولذلك تجد أن تعبيرات العلماء يقول لا يعذرون بالشرك الأكبر لماذا لأن الحجة فيه تقوم بالعقل ولا حاجة في ذلك إلى السماع، السماع يأتي لمعرفة التفاصيل والشرائع والتشريعات والحقوق التفصيلية ولمعرفة الأسماء كأسماء الله تبارك وتعالى، أسماء هذا الرب الإله الخالق، وأسماء الرسل والكتب وما سوى ذلك من تفاصيل. وهنا هذه الحجة أيضاً النقلية أيضاً لم يشترط العلماء أن تكون على أيدي أو أن تكون على ألسنة العلماء الراسخين في العلم، وإنما قالوا إن المعبّر، ويقصدون به المبيّن الذي يوصل يقيم الحجة يوصل البيان للناس، فإنه تقوم به الحجة. فهذا الاجتزاء الحاصل هو سوء فهمٍ لما يقرره لنا كتاب الله عز وجل وما وُجد أيضاً في التراث الإسلامي، وإلا فإن المسألة واضحة بيّنة ولا حاجة إلى هذه السفسطة وهذا يعني الإسفاف في القول والله تعالى أعلم. وإنما يضعون قواعد عامة، فهم يضعون قواعد عامة أن من قامت عليه الحجة بالعقل فإنه لا يُعذر على سبيل المثال، وأن عذاب الله تبارك وتعالى إنما يكون بعد قيام الحجة، فهم يقصدون من ذلك هذين النوعين من الحجج، فإن لم تصله حجة سمعية فهو غير معذور بما تقوم به الحجة من العقل طالما أنه صاحب عقلٍ سليم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

عذر من لم تبلغه الدعوة وقيام الحجة بالعقل
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي