السؤال
هذه الليلة يستعد الناس لدخول معتكفهم أو يستعد كثير من الناس نقول لدخول معتكفهم، الإخوة المتابعون الآن يحتاجون إلى كلمة منكم في فضائل الاعتكاف وبعض أحكامه الضرورية التي يحتاج إليها الإنسان في هذا العصر مثلاً خاصة مع توفر الكثير من وسائل الاتصال الحديثة.
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فإن المسلم دائماً ما يبتغي رضوان الله سبحانه وتعالى، وسعيه إلى نيل مرضاة ربه إنما يكون بتهذيب نفسه وصقل روحه وتزكيتها بحيث ترتقي في مدارج الكمال فتكون أقرب إلى الله سبحانه وتعالى وأبعد من أغيار هذه الحياة الدنيا وأبعد عن شهواتها وعن أهوائها ورغباتها، ولذلك فإنه ينتهز مواسم الخير التي تحقق له ذلك، تحقق له مزيداً من تزكية النفس وتهذيبها وصقلها والسمو بها في درجات العبادات والعبودية لله جل وعلا، ومن مواسم الخير لا شك التي لا ينبغي للمسلم أن يفوتها موسم رمضان حيث تضاعف أجور الأعمال وحيث يفتح الله عز وجل للعباد أبواب الجنان ويهيئ من الأسباب ما لا توجد في غير رمضان، ولا شك أن في صدارة هذه الأسباب ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فحتى يتمكن الإنسان من التزود بزاد من التقوى يعينه على مواجهة صعاب هذه الحياة وعلى التغلب على شهواتها وعلى الأخذ بزمام نفسه إلى جادة الصواب وحملها على السير على الصراط المستقيم فإنه يسعى دوماً إلى أن يكون إلى أن ينتهز مثل هذه المواسم، ومن ذلك مع فريضة الصيام التي كتبها الله سبحانه وتعالى علينا ما أنعم به أيضاً علينا من مشروعية الاعتكاف، والاعتكاف لغة يأتي بمعنى الإقامة على الشيء أو الملازمة، ملازمة الشيء أو ملازمة المكان والإقامة على عمل ما فيه، ولذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى أمر أو نهى عن مباشرة النساء حين الاعتكاف فقال: "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد"، فدل ذلك على أن الاعتكاف له مكان مخصوص وهو المساجد، "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد"، فعاكفون بمعنى مقيمون ملازمون، وهذه الإقامة والملازمة إنما تكون في بيوت الله عز وجل، والعمل الذي يشتغل بها يشتغل به هذا المقيم الملازم أي هذا المعتكف شرعاً هو التقرب إلى الله عز وجل بالذكر والدعاء والتبتل وتلاوة كتاب الله عز وجل وصنوف الأعمال التي تصقل له نفسه وتقربه من الله تعالى زلفى من الصلوات ومن الذكر والخشوع والتدبر والتوبة النصوح والإكثار من كل ما يستطيع الإتيان به حالة إقامته في المسجد، فمن هذا نفهم معنى الاعتكاف لغة وشرعاً وندرك أيضاً بعض شروطه ومنها المسجد ومنها أيضاً الصيام لأن الله سبحانه وتعالى ذكر الاعتكاف في معرض بيان أحكام الصيام، بل توسطت هذا توسط هذا الجزء من الآية آية بين الله سبحانه وتعالى فيها بعض أحكام الصيام "أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم" إلى آخر الآية ثم جاء في وسطها "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد"، ولذلك فإن هذا هو قول أصحابنا وقول جمهور العلماء أن الصيام شرط في الاعتكاف، ولما كان الصوم شرطاً فإذاً لا يتحقق الاعتكاف إلا بتحقق الصيام وأقل الصيام هو يوم، واليوم إنما يبدأ بطلوع الفجر الصادق وينتهي بغروب الشمس، ولذلك فإن على المعتكف إن أراد أن يعتكف أقل مدة ممكنة أن يدخل قبل انبلاج الفجر من اليوم الذي يريد أن يدخل المعتكف فيه ويكون خروجه بعد ذلك مع أو بعد غروب الشمس، هذا إن أراد أن يعتكف يوماً واحداً فقط، أما إن أراد يوماً وليلة فإنه يدخل قبل غروب الشمس من تلك الليلة أي إن كان ينوي على سبيل المثال أن يعتكف العشرين من رمضان فإن عليه أن يدخل قبل غروب شمس هذا اليوم ويكون خروجه بعد غروب شمس الغد لأن ليلتنا هذه المستقبلة هي ليلة العشرين من رمضان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على الاعتكاف فقد اعتكف بعد فرض الصيام في العشر الأولى من رمضان فجاءه جبريل وقال إن الذي تطلب أمامك، ثم اعتكف العشر الأواسط فجاءه جبريل فقال إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف صلى الله عليه وسلم بعد ذلك العشر الأواخر وأمر من أراد من أصحابه أن يعتكف أن يعتكف العشر الأواخر وقال التمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر أي في الليالي الأوتار في الحادي والعشرين والثالث والعشرين والخامس والعشرين والسابع والعشرين والتاسع والعشرين من هذا من هذه العشر الأخيرة من رمضان تحرياً لليلة القدر لما فيها من مضاعفة أجور العباد الذين يخلصون لله عز وجل ويطهرون أنفسهم من أدران هذه الحياة فتصفو نفوسهم فتشرق عليها الأنوار الربانية وتمدها بمدد يعينها على أن تكون متأهبة للدخول في تلكم الأجواء الروحانية التي تكون في ليلة القدر بما فيها من إشراقات نفسانية روحانية إيمانية على العباد الذين يحظون بإحيائها ولما فيها مما يخالط هذه النفوس لما دربت نفسها عليه من الصبر والإخلاص والتبتل والضراعة إلى الله سبحانه وتعالى فتمتلئ بعد ذلك حباً لله عز وجل ورغبة فيما عنده وخوفاً من عقابه لتتمكن بعد ذلك أيضاً من تزود زاد يعينها على مواجهة خطوب هذه الحياة، هذا يعني مجمل ما يتصل بالاعتكاف وإنما يكون الاعتكاف كملاحظة يكون الاعتكاف لمن تمكن من أن يفرغ نفسه من الأعمال والمشاغل التي يمكن أن تكون مانعاً له من الاعتكاف، أما إن كان ملتزماً لأن الناس يتفاوتون وأبواب العبادات غير محصورة بحمد الله عز وجل فمنهم من يجد أن تلك الإشراقات التي تحدثنا عنها إنما تتأتى له بكثرة الصدقات وبوصل أرحامه. ومنهم من يجد أن في كسبه للرزق وسعيه لتهيئة العيش الكريم لعياله يجد لذة العبادة في ذلك لأنه لا يبتغي إلا ما أحل الله سبحانه وتعالى له، ومنهم من يجدها في مذاكرته للعلم النافع وتعلمه لسائر العلوم والمعارف التي توسع من آفاقه وتبصره بكيفية عبادته لله عز وجل، ومع ذلك فإن في الاعتكاف فضلاً كبيراً والاعتكاف موسم ينبغي أن يحرص عليه المسلمون لما فيه من آثار خير ونتائج واضحة على نفوس المعتكفين.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- الاعتكاف وتحرّي ليلة القدر سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- الاعتكاف في البيت عند إغلاق المساجد جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
- بداية الاعتكاف وأقل مدته مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- ما معنى الاعتكاف وأحكامه؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- بداية العشر الأواخر من رمضان سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي