حديث رهن النبي درعه عند يهودي وإشكالاته

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

السؤال

آخر ما وقفنا عنده في الحلقة الماضية هو أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه ليهودي، فبعد ذلك لم نستطع أن نستكمل الموضوع، تفضلوا.

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد فإني أولاً أستدرك على الجواب الذي ذكرته مختصراً بالأمس، ذلك أن ذهني انصرف إلى حديث آخر ظننت أنكم تسألون عنه، خاصة حينما سمعت اليهودي فقد انصرف ذهني إلى الرواية التي فيها أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جار يهودي وكان يعوده، وفي بعض ما يروى أنه كان يرمي الأذى والشوك أمام باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال يوماً -وهذه الرواية من طريق بريدة- قال يوماً لأصحابه حينما فقده: هيا نعود جارنا اليهودي، هكذا ورد حتى في اللفظ. فذهب إليه فوجده مريضاً فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ فسكت الغلام اليهودي أو الجار اليهودي، فكرر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فنظر إلى أبيه فأومأ إليه بالموافقة، وفي بعض الروايات أو في بعض هذه الآثار بعض ما يروى أنه قال له: أطع أبا القاسم. فأتى بالشهادتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب ذلك: الحمد لله الذي نجاه من النار. فالجواب كان متجهاً إلى هذه الرواية، هذه الرواية ضعيفة وبعض الزيادات فيها موضوعة، وذكر هذا عدد كبير من المحققين من علماء الحديث، هذه الرواية لا تثبت أبداً وإن كان يستشهد بها في سياق حديث تسامح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحسن خلقه، لكنها رواية كما تقدم ضعيفة لا تثبت سنداً ولا متناً، وأما ما يستفاد منها فهو مأخوذ من هديه عليه الصلاة والسلام ومن آيات الكتاب العزيز ومن سنته الثابتة الصحيحة. فخلطت بين هذه الرواية وبين ما سألتم عنه من حادثة رهن درعه صلى الله عليه وآله وسلم ليهودي، وأن السيدة عائشة قالت: مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي، وفي بعض الروايات في ثلاثين صاعاً من شعير. هذه الرواية صحيحة، وما أورده بعضهم عليها مما يتعلق بجانب الدراية بالمتن لا يرقى إلى القدح فيها، فالرواية لها طرق صحيحة ثابتة، الرواية في الصحيحين وعند غيرهما أيضاً من أصحاب الجوامع والسنن والمسانيد وتلقاها العلماء بالقبول. صحيح أن توجيههم لها لم يكن مقنعاً لمن أثار شبهات حول متن هذه الرواية، وهذه الشبهات أثيرت قديماً، فابن قتيبة على سبيل المثال كان من أوائل من رد على هذه الشبهات في تأويل مختلف الحديث. فما أثير بالتساؤل حول احتياج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصلاً إلى أن يرهن درعه ليهودي، وأن الرهن وقع في درع والدرع هو من أدوات الحرب، وأين ذهب مياسير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيهم عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وفيهم سيدنا أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وغيرهم من مياسير أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم رضوان الله تعالى عليهم. الحاصل ما أثير مما ظن أنه مطاعن وشبهات في هذه على هذه الرواية لا يرقى إلى التشكيك فيها، وقد أجيب عنها جميعاً بأجوبة مقنعة، وخير من جمع هذه الردود هو صاحب كتاب أموال النبي صلى الله عليه وسلم الدكتور عبد الرحمن السمان. فالحادثة باختصار شديد، يعني الجواب الآن وتحصل من هذا الخلط الذي وقعت فيه الآن جواب عن سؤالين، جواب عن موضوع جار رسول ما يذكر من أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جار يهودي والقصة التي ذكرت طرفها. وهو مشتهر ولكنه حديث ضعيف نص المحققون على ضعفه وحكى بعضهم أن بعض الزيادات أنها موضوعة باطلة لا تصح، يعني هي أدنى درجات الرفض الروايات المنسوبة إليه عليه الصلاة والسلام. ثم الفائدة الأخرى هي هذه الرواية، إذاً الرواية في ذاتها صحيحة وقد ذكرت طرفاً ممن خرجها وأشهر ما تروى عنه من طريق السيدة عائشة، هناك رواية أيضاً من طريق أنس بن مالك، فالرواية صحيحة. ما أورد على متنها من هذه الإشكالات أجيب عنه بعدة أجوبة، قلت بأن خير من جمع هذه الردود والأجوبة وعرضها وحللها هو صاحب كتاب أموال النبي صلى الله عليه وسلم، أهو كان ثرياً منفقاً ولم يكن فقيراً مقتراً. فعلى سبيل المثال يقول من مما جمعه هو من الردود أن ذلك كان في أواخر حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أرسل جيش أسامة، وقد خرج مع أسامة بن زيد أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يكن حوله من أصحابه الذين اعتاد مخالطتهم ومن أهل اليسار لم يكونوا في ذلك الوقت حوله، كانوا في جيش أسامة. وذكر أن هذه من المعاملات أيضاً كما ذكر غيره أن هذه من المعاملات المعتادة، فقد كان اليهود أصحاب تجارة لاسيما في الطعام، فكانوا أكثر، يعني المبالغة والقول بأن تجارة الطعام كانت في يد اليهود أيضاً غير صحيحة، لكن كانت أكثر تجارتهم في الطعام والحبوب. وذكر نقطة مهمة ذكرها غيره أيضاً ممن تقدم وهو أن ذلك كان حينما نزل عليه ضيف فأراد إضافته عليه الصلاة والسلام، فالتمس ما يضيفه به فلم يجد شيئاً في بيته فطلب من اليهودي، فطلب فبالشراء من اليهودي فاشترى نسيئة، إذاً لم يكن ذلك على سبيل المداينة على سبيل الاقتراض وإنما كان الشراء بالأجل. وطلب اليهودي رهناً فدفع إليه درعه، فقال بأن الدرع هناك ملحظان في الدرع، الأمر الأول أنها كانت من السلع، لم تكن فقط مجرد عدة حرب ولذلك الإشكال الوارد كيف يرهن درع حرب آلة حرب عند يهودي، علماً بأن هذا اليهودي مستأمن أو أنه في العهد، لكن مع ذلك فإن الدرع كان سلعة، واستشهد لذلك بجملة من الآثار على ما أذكر منها أن سيدنا علي بن أبي طالب أمهر السيدة فاطمة رضوان الله تعالى عليها درعاً بإشارة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحصل ذلك أيضاً مع غيره فقال إن الدرع كان يقوم مقام السلع، وأن ثمنه وقد ذكر هو تثميناً له لا يحضرني الآن، لكنه أضعاف يقول لكنه أضعاف قيمة ما اشتراه من ذلك اليهودي، ما اشتراه ما اشترى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين صاعاً من شعير من ذلك اليهودي. إذاً هناك أجوبة مقنعة في الإيرادات التي أثيرت حول متن هذه الرواية، وبهذا ينتفي عنها الإشكال وقد تقدم أن الرواية صحيحة وأنها موجودة في مصادر صحيحة وأن لها وجوهاً تحتملها مقبولة، هذه الوجوه كلها وجوه مقبولة فلا يوجد ما يدعو إلى الطعن فيها والله تعالى أعلم. كانت في آخر نعم، وهذا لا ينفي أنه كان قد عاملهم بذلك، هذا جزء من الإشكال، أن كثيراً من شراح الحديث لما حاولوا الرد على الشبهات التي أثيرت قصروا فوائد الحديث في فوائد يسيرة ثبتت بأدلة أكثر صراحة وأقوى وضوحاً سنداً ومتناً، فجواز التعامل مع اليهودي بيعاً وشراءً بما لا مضرة فيه على المسلمين، هل هذا الحكم الشرعي لم يؤخذ إلا من هذه الحادثة في أواخر حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ذلك بعيد جداً، فقد عاملهم رسول الله صلى الله عليه وآله وعامل المشركين بيعاً وشراءً وأمانة بمختلف أنواع البيوع. وفي المقابل أيضاً وهذا جزء من الإشكال أن أولئك الذين أوردوا هذه الإيرادات على هذه الرواية كان الموقف منهم مبالغاً فيه، وكأنهم ردوا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالكلية وهذا فيه قدر من المجازفة، فمن المتقرر أن الروايات يشترط في قبولها بعد ما يتصل بالسند أن تخلو من الشذوذ أو من العلة القادحة، ويدخل فيها النكارة ويدخل فيها الاضطراب ومخالفة الأوثق وإلى آخره مما يتعلق بالمتون نفسها مما يتعلق بالدراية، فإغلاظ النكير على من يورد إيرادات على رواية واحدة والحكم عليه بأنه منكر للسنة كلها مبالغة أيضاً. ثم إن الردود التي أثيرت كما تقدم لم تلامس الأجوبة التي أجيب بها، صحيح أنها متفرقة، يعني ذكر كما تقدم ابن قتيبة ذكر جملة من الردود، ابن حجر في الفتح ذكر بعض الردود، النووي أيضاً في شرحه على مسلم ذكر بعض الردود وغيرهم، القرطبي في الإفهام ذكر بعض الردود، لكن أن تكون هذه الردود مجتمعة وأن تضع هذه التفاصيل وأن تجمع ما تفرق منها في سياق واحد كان هو الأولى من مجرد الطعن أو المبالغة في الرد على من أنكر هذه الرواية دون أن يكون منكراً للسنة، أو أن يصنف على أنه قادح في روايات الصحيحين على سبيل المثال، قد لا يصل الأمر إلى هذا الحد، وخاصة في وقتنا المتأخر هذا فإن كثيراً من الناس سرت إليهم الكثير من الشبهات وأتوا من مداخل شتى. فالواجب على أهل العلم بدل إقصاء هؤلاء المغرر بهم الذين يغلب عليهم الجهل ولا دراية لهم بهذه العلوم والفنون وبتفاصيلها، فكان الأولى بأهل العلم أن يحتووا هؤلاء بالبيان الشافي وبالردود العلمية وهي موجودة في تراثنا الإسلامي بجمع ما تفرق منها بتوضيح بعض العبارات باستعمال بعض الأدوات، يعني هو الآن أنا أذكر مثالاً حينما يبين أن هذا الرهن الذي دفعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليهودي وأقبضه إياه هو أغلى ثمناً مما عامله به سينتفي الكثير من الإشكال، فهذا اليهودي سيستوفي حقه منه وتؤتى بالأدلة التي تؤكد هذا المعنى وأن الأدرع كانت تعامل معاملة السلع وأنها ليست مجرد عدة حرب في ذلك الوقت، وهي لشيوعها نعم هي عدة حرب لكنها لشيوعها وانتشارها فليست مما يستأثر به المستعد للحرب لأنها موجودة متاحة، ولذلك تجد أنه كما في رواية أنه قال: ليس عندي شيء، في رواية الإمام علي بن أبي طالب في مهره للسيدة فاطمة، فقال: فأين ذهب درعك؟ فكأنهم فعلاً ينظرون إليها نظر السلع والمتاع الذي يقتنيه الإنسان. مثل الخنجر عندنا نحن، قد لا تكون كذلك في بيئات أخرى. الآن ما أقصده هو أنه لابد من البيان الشافي وإيضاح بعض الحقائق وهي موجودة بحمد الله تعالى بدل إغلاظ النكير على من يمكن أن يكون جاهلاً مغرراً به بحاجة إلى الجواب الشافي أو أن يكون بحاجة إلى إقناع، لكن الذي حصل حينما تتتبع اليوم الردود المعاصرة على من شكك في هذه الرواية ستجد أنها تغلظ عليهم القول وتقفز فوراً إلى اتهامهم بإنكار السنة وبالطعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويستشهد لهم من بعد بالأدلة الواردة في إثبات حجية السنة وهو لم يجادل في إثبات حجية السنة هو يتحدث عن رواية واحدة. وهذه المبالغة أيضاً أنه إذا كانت، ونحن نعلم أهل العلم المتخصصون أهل العلم الذين مارسوا علم الحديث يعلمون أن بعض الروايات تحدث فيها الإمام مسلم وهي عند الإمام البخاري، وأن بعض الروايات تحدث فيها علماء كبار هي أيضاً عند الشيخين عند الإمام البخاري وعند الإمام مسلم، لكن ذلك لم يقدح فيهم أنهم ينكرون السنة أو أنهم يجرحون في الشيخين، لا يصل الأمر إلى هذا الحد، فينبغي أيضاً خاصة مع توارد الشبهات وكثرة الطعون اليوم أن نكون أن يكون أهل العلم والذين يتصدون للرد وللبيان أن يكونوا أوسع أفقاً وأرسخ علماً وأدرى بما يتوارد في أذهان الشباب خاصة من مثل هذه الشبهات ثم بعد ذلك أن يتناولوها بالشرح والتبسيط والرد حتى ينفوا عنهم هذه الأباطيل والطعون والله تعالى المستعان.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

حديث رهن النبي درعه عند يهودي وإشكالاته
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي