البعض أيضاً يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرهن درعه ليهودي، وأنه لم تكن تلك الشاة المسمومة هي السبب في وفاته، ويذكر أن ذلك مما استطاع بنو إسرائيل أن يمرروه في تاريخ المسلمين وسيرة نبيهم، هل نستطيع القول إن السيرة تحتاج إلى الكثير من العناية في تنقيتها من هذه التدخلات، أم أن المسألة جاءت متأخرة على اعتبار أن بني إسرائيل كان لهم مقصد في دخولهم من خلال دخولهم في السيرة النبوية؟
الإجابة
نعم، هذه المسألة تتصل بما يعرف بالروايات التاريخية، هل تجرى عليها الصنعة الحديثية، أو لا حاجة أصلاً إلى أن تعامل معاملة الروايات الحديثية المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو أنها بحاجة إلى منهجٍ آخر. ولعله يعني سبق لنا الحوار في هذه القضية، الخلاصة فيها هو أنه صحيحٌ أنه لا يمكن، لا ترقى هذه الروايات التاريخية إلى أن تكون في حكم الآثار المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن هذه الأخيرة يتعلق بها أحكامٌ شرعية، يتعلق بها ما يتصل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الموحى إليه من ربه جل وعلا وهو الذي أرشدنا القرآن إلى اتباعه وطاعته، فما يصدر عنه في هذا الباب إنما هو تشريعٌ للأمة من بعده. أما تلك الروايات التاريخية فإنها تتعلق بأحداث حصلت في أزمنة مختلفة، فليس فيها ما يستدعي مزيد التدقيق والتحقيق لعدم تعلق أحكامٍ شرعية بها، أما التي يتعلق بها حكمٌ شرعي فإن سبيلها سبيل الروايات الحديثية، لا بد من منهج، كما وجد في علم القراءات منهج، ولذلك نجد أن بعض رواة القراءات القرآنية هم مقبولون في روايتهم للقراءات، لكنهم غير مقبولين فيما يتعلق بعلم الحديث، وسبب ذلك أن اشتغالهم وملكاتهم ومهاراتهم إنما كانت فيما يتعلق برواية القراءات القرآنية. فيمكن أيضاً أن يعمد إلى منهجٍ علمي يمحص الرواة، رواة الأحداث التاريخية، رواة الرواية التاريخية، من الذي يقبل، ما هي الصفات اللازمة، هل يشترط نفس ما يشترط من الضبط والدقة والإتقان في علم الحديث أن يكون رواة الرواية التاريخية أيضاً كذلك، أو أنه يمكن التساهل ووضع ضوابط أخرى تتعلق بهؤلاء الرواة وبطريقة روايتهم وبالمتون نفسها، هذا يعني ما ينبغي أن يكون، لا بد من أن نعمد إلى منهجٍ علمي يمحص به هؤلاء الرواة، وينظر في طريقة روايتهم، ويقارن بين هذه الروايات، ثم تمحص بعد ذلك أيضاً هذه متون نصوص الروايات التاريخية وتدرس في ضوء الأوضاع السياسية والجهات المروجة لها وعموم الأحوال المعيشية للناس، وهذا ليس بالأمر العسير، يعني هذه بعض المعالم التي نحتاج إليها. فالخلاصة بعد هذا كله أنه أيضاً قد لا يكون من الإنصاف أن نعتمد ما يتعلق بعلم الحديث من علم الرجال والجرح والتعديل وعلم الرواية وعلم الدراية في الروايات التاريخية، وذلك لأنها كما تقدم أن هذه الروايات التاريخية لا تتعلق بها أحكامٌ شرعية، قد تتعلق بها عبر وعظات ومعرفة مواقف وتمييز أحداث، لكنها إنما هي للاتعاظ والاعتبار ومعرفة ما جرى والاستفادة منه دون أن يتعلق بها حكمٌ شرعي لأن الأحكام الشرعية تؤخذ من غير ذلك من المصادر. وفي المقابل فإنه لا يسوغ أن تترك دون منهج، لا بد من منهجٍ واضح تمحص به هذه الروايات، ولذلك نجد أن هذا المسلك، مسلك تمحيص الروايات التاريخية باعتدال وتوسط أيضاً جرى عليه عدد ممن كتب في هذه المواضع. الآن بعض الروايات التي ذكرتموها لا، تتعلق بالصنف الأول، هي ليست من الروايات التاريخية، وإنما هي من الصنف الأول فيجرى عليها ما يجرى على الروايات الحديثية، أي يعمل فيها بعلم الحديث، وبعضها لا، من الروايات التاريخية، مثل هذا يسري أيضاً على ما يوجد في كتب التفسير، فيها الكثير من ما هو ليس برواية تاريخية وإنما تفسير لكتاب الله عز وجل وذكر أحداث خاصة فيما يتعلق بالأنبياء والرسل والرسالات السابقة، بنظرٍ بسيط نجد أنها تعارض ما في كتاب الله عز وجل نفسه، معارضة صريحة لا يمكن الجمع، فنجد أن القرآن الكريم يدلنا على دلالات معينة، ويأتي المفسرون بهذه الروايات ليلووا أعناق الدلالة الظاهرة لآيات الكتاب العزيز لتوافق ما ورد في تلك الإسرائيليات، وهذه أيضاً لا بد من تمحيصها لأن الأمر فيها أخطر من مجرد رواية تاريخية.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.