السؤال
الأخ ناصر اليعربي يقول: قال الله تعالى: «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا»، لماذا أتى هذا الترتيب؟ لماذا لم يتقدم البصر على الفؤاد مثلاً؟
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فصحيح أن أغلب آيات الكتاب العزيز يرد فيها ذكر السمع قبل البصر، لكننا لا نجد هذا في كل آيات الكتاب العزيز، بل في أغلبها، إذ هناك مواضع يتقدم فيها البصر على السمع، كما أن هناك آيات تتقدم فيها أو يتقدم فيها ذكر الأعين على الآذان، وهناك آيات يتقدم فيها ذكر الأذن على العين، آيات قليلة. وخاض العلماء كثيراً في بيان الحكمة من هذا، ومنهم من أتى بما هو مقنع تطمئن النفس إليه، ومنهم في حقيقة الأمر من أبعد النجعة. وأذكر هنا ما تطمئن إليه نفسي. أولاً، ينبغي أن ينظر إلى كل سياق على حدة، فالأصل أن ينظر إلى السياق الذي وردت فيه الآية الكريمة التي فيها ذكر السمع والبصر، لينظر في الحكمة من هذا التقديم أو التأخير في ذلك الموضع الذي وردت فيه الآية الكريمة. فقد يكون هناك ذكر لحجج الأصل فيها أن تكون مواعظ مسموعة، تقوم حجتها بالسماع، أو تترتب آثارها والمؤاخذة عليها على سماعها، فيتقدم ذكر السمع على البصر. وقد يقتضي السياق أن المخاطب يتعلق أو الموضوع المخاطب به يتعلق بمبصرات، بحجج وآيات وبراهين، أو بعواقب وآثار تستدعي النظر، تستدعي الإبصار. إذاً المبدأ الأول أن ينظر في هذه الآيات استقلالاً، لكل آية منها حكمة تتناسب مع السياق الذي وردت فيه، قبل أن ننظر في مجموع هذه الآيات والحكمة منها، وهذا هو الأصل في سائر النظر في آيات الكتاب العزيز، أن ينظر في ذلك السياق الذي وردت فيه. الأمر الثاني، وهذا دار عليه حديث كثير من أهل التفسير من المتقدمين والمتأخرين، وهو أمر يتعلق بالمفاضلة بين السمع والبصر، فجنحت طائفة منهم إلى تفضيل السمع على البصر، ومنهم من فضل البصر على السمع. ولا أظن أن التفضيل إنما هو باعتبار أيهما الأفضل على الإطلاق، وإنما هو تفضيل نسبي بحسب منافع الجارحة في ذلك السياق أيضاً. فيقولون بأن السمع أوسع وأشمل، والبصر أقوى وأكمل، لأن السمع لا يقتصر على جهة واحدة وإنما يشمل كل الجهات، ولا يقتصر على حالة واحدة وإنما في كل الأحوال، في الظلمة وفي الضوء، في النهار وفي الليل، في كل الأحوال، فهو أعم وأشمل، لكن النظر أقوى وأكمل. هذا تعبيرهم، والذي يظهر لي أن السمع يتعلق به جارحتان، وإن عبر عنه بالسمع إلا أنه في مواضع أخرى يرد التعبير بالصمم، والصمم ينصرف إلى فقدان السمع والنطق، فهو يتعلق بجارحتين، ولا شك أن الوصف الذي تتعلق به جارحتان أولى بالتقدمة من الوصف الذي تتعلق به جارحة واحدة وإن عظمت منافعها. وهذا مما يعني لم أر كثيراً يتعرض له، أن السمع لا سيما من ولد أصم فإنه يفقد النطق في الغالب، فيكون أبكم لأنه أصم. ولذلك نجد هذه المواضع التي يتقدم فيها السمع حتى مما لا يتصل بقيام حجة أو براهين يدعونا الكتاب العزيز إلى أن نعتبر بها وأن ننظر فيها ويكون المقصود قيام الحجة علينا بها، وإنما قد يكون المقصود كما في هذه الآية الكريمة: «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا»، فلارتباط جارحة النطق، اللسان، بجارحة السمع أو بآلة السمع أيضاً، فكأن المقصود الحديث عن جارحتين لا عن جارحة واحدة. الأمر الثالث، وهذا غير بعيد وكثير من البحوث العلمية تؤكده، أن الذي يكتمل أولاً من جوارح هذا الإنسان السمع قبل البصر، يكتمل في مرحلة لما يكون في المرحلة الجنينية، ثم بعدما يولد الطفل، فجارحة السمع تكتمل أسبق من جارحة البصر في المرحلة الجنينية وفي مرحلة الطفولة. ولذلك يسمع الأصوات حتى وهو جنين، وهذا ثبت علمياً الآن. كذلك فإن السمع هو آخر ما يفقد، حينما ينام النائم فإنه يفقد جارحة الإبصار أولاً ثم بعد ذلك السمع، والعكس حين الاستيقاظ، فعندما يستيقظ فإنه يبدأ بالسمع ثم بالبصر، فإن الصوت المزعج هو الذي يوقظه، أما لو أتيته بأمر عظيم هائل ينظر إليه لما أحدث ذلك فرقاً، لأنه فقد جارحة الإبصار، فقد القدرة على الإبصار في منامه. فقد يكون من الحكم الالتفات إلى هذا المعنى. إذاً مجموع هذه الحكم هي التي يؤخذ منها السبب في تقديم السمع على البصر.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- سر إفراد لفظ السمع وجمع الأبصار في القرآن سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- إفراد السمع وجمع الأبصار في القرآن سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- هل الفؤاد هو العقل أم القلب سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- الفرق بين العلم والمعرفة في ضوء آية السمع والأبصار والأفئدة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- سر اقتران آيات الليل والنهار بالسمع دون البصر في القرآن سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي