ألا يمكن أن تدل الآية الكريمة في سورة الرعد: «أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها» على الحقيقة العلمية الثابتة وهي اندثار بعض الصفائح التكتونية تحت بعض، ومثال على ذلك اندثار الصفيحة العربية والتي عليها دول الخليج تحت الصفيحة الأوراسية والتي تتضمن إيران والهند بمعدل سنوي واحد على اثنين سنتيمتر، أي أن بحر عمان يضيق بنفس المعدل وغيرها من الأمثلة، هل يمكن أن توجه الآية للإشارة إلى هذه الحقيقة العلمية؟
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فقد تقدم أن المقصود بهذه الآية الكريمة في كتاب الله عز وجل ما يفتحه الله تبارك وتعالى لعباده من أراضٍ وبلدان وأجزاء من الأرض كانت في أيدي الكفار، ثم تحول أهلها إلى الإسلام، فالآية في سياق في الموضعين أيضاً حيثما وردت في سياق مخاطبة المشركين بدعوتهم إلى الاعتبار بآيةٍ ظاهرة واضحة أن الله تعالى يمكن المؤمنين من أراضٍ أو بلدان كانت تحت أيديهم إلا أنها أسلمت، دخلت في دين الله تبارك وتعالى، فتنقصت أراضيهم وصارت في أيدي المسلمين. وما يشير إليه السائل ذكره عددٌ من الباحثين المعاصرين، لكني تتبعت كثيراً ما يقولونه مما ينسبونه إلى الحقائق العلمية فما وجدت حقيقةً علمية، يعني هو أشار في السؤال إلى تفسير جغرافي ذكر غيره أربعة احتمالات ممن يكتب في الإعجاز العلمي ذكروا أربعة احتمالات لمعنى نقصان الأرض من أطرافها، وهي احتمالاتٌ متعارضة وينسبونها إلى العلم، وحاولت تتبع المصادر العلمية الموثوقة التي تؤكد ما يقولون إنه حقائق فما وجدتها. على سبيل المثال، هو هنا يقول بأن البحر يضيق، بينما هم يقولون بأن اليابسة تضيق والبحر يتسع، وأن الأرض تطلق على اليابسة من ضمن الاحتمالات العلمية التي يذكرونها. منهم من يذكر أن الانبعاثات الغازية من الشمس يقابلها أيضاً ما يخرج من فوهات البراكين ومن الحوادث الطبيعية التي تنبعث فيها غازات وتلقي الأرض ما في جوفها، فأجزاءٌ منها تتبخر وتصعد، وهذا نقصان. تجد حينما تبحث فيمن كتب في هذا الباب أن هناك الكثير من التناقض، وأنهم لا يستندون إلى حقائق علمية ثابتة، ولذلك لا حاجة إلى التكلف وإلى إقحام ما لم يثبت علمياً في تفسير آيات الكتاب العزيز، يكفينا ما عانينا منه، فإن كثيراً من شبابنا اليوم يعدون من المآخذ على الدين نفسه، وصل الحال بهم إلى هذا الحد، ما يجدونه من تفسيراتٍ لا أساس لها لدى المفسرين الأوائل، ومن تكلفٍ في حمل آيات الكتاب العزيز على بعض ما يرونه من ظواهر كونية أثبت العلم أن الحقيقة على خلاف ما كانوا يدعون، فعادوا على نفس النص القرآني للأسف الشديد بالنقد، وظنوا أن ذلك إنما هو لخلل عياذاً بالله، وما ميزوا أن ذلك كان غاية جهد أولئك العلماء المفسرين، لكنهم توسعوا أيضاً في الاعتداد بما وصلهم من العلوم والمعارف التي كانت في عصرهم فتوسعوا في حملها على ما في كتاب الله عز وجل. أما اليوم فينبغي لنا الانتباه، وينبغي التثبت والتريث بحيث لا نقحم آيات الكتاب العزيز في فرضياتٍ ونظريات لم تثبت بعد، أو أننا لم نقرأها من المصادر الأصلية ولم نطلع على حقيقتها وكل تفاصيلها، بعض ما يذكره العلماء على سبيل المثال من تفاصيل يأخذ آلاف السنين بحيث لا يتأتى أن يكون آيةً للاعتبار والاتعاظ في جيلٍ واحدٍ يخاطب، مع أن الدلالة واضحة، هذا لا ينفي أن يكون أن تكشف لنا الأيام عن حقائق علمية تتعلق بهذه الآية الكريمة أو بغيرها، لكن في ظل ما يذكره هؤلاء الذين يتحدثون عن وجود حقيقةٍ علمية في هذا المذكور في كتاب الله عز وجل من نقصان الأرض من أطرافها لا أساس له من علم وليس هو بصحيح، فلا حاجة إلى التكلف، وإنما هذا الاستطراد للدعوة إلى مزيدٍ من التثبت والتبين وعدم القفز إلى النتائج أو إقحام آيات الكتاب العزيز في متاهات النظريات والفرضيات العلمية، وعدم استقاء ما يتعلق بالعلوم إلا من أرباب تلك العلوم ومن مصادر موثوقة مع إتقان التفاصيل، والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.