مع تطوّر الأحداث في العالم الإسلامي خاصّةً في السنوات الأخيرة، هل على طالب العلم الاشتغال والاهتمام -قلنا نحن الاهتمام- بأمثال هذه الأحداث ما يحدث في أرض غزّة والقدس وفلسطين بشكلٍ عام وما يدور حولها من أحداث، هل هذا الاهتمام يضيّع عليه دراسته أم هو ليس مسؤولاً عن هذه الأمور التي تحدث وإنّما عليه الآن أن يشتغل بطلب العلم؟
الإجابة
إنّ العناية بما يجري في الحياة مكوّنٌ من المكوّنات الضروريّة للفكر الشامل السليم الذي يهيّئ الناشئة للتعامل مع هذه الأحداث في المستقبل، وهو نابعٌ عن التصوّر الصحيح لمعنى الإسلام أو لمعنى الاستخلاف في هذه الأرض، فحين نرجع إلى كتاب الله عزّ وجلّ نجد المولى سبحانه في سورة البقرة يذكر قصّة خلق آدم ويذكر للتالين للقرآن والدارسين لهذا الكتاب قصّة الخلافة في هذه الأرض وأنّ الله تعالى اصطفى الإنسان من بين خلقه فأهّله للقيام بهذه المسؤوليّة الجسيمة وأنّه سخّر له ما في السماوات وما في الأرض لأجل أن يمهّد له الطريق حتّى يحقّق هذا الواجب الملقى على عاتقه أو الأمانة التي يطالب بأدائها، فالإعراض عن هذا هو خروجٌ عن الطريق وهو تجزئةٌ للدين تؤدّي إلى ضلالٍ في التصوّر، فالله سبحانه وتعالى أنكر على طائفةٍ من أهل الكتاب جعلت الدين مجرّد رهبانيّة وانعزلت عن شؤون الدنيا أو شؤون الحياة، فحذّر المسلمين من الاقتداء بهذه الطائفة، ونحن لا نقول بأنّ طالب العلم منذ بداية أمره يشتغل بشؤون السياسة والاقتصاد والإدارة والإعلام ونحو ذلك، ولكن نقول بأنّه يدخلها ضمن اهتماماته، فهذا أمرٌ ضروري، والنبي ﷺ ربّى صحابته رضوان الله عليهم على هذا بل كانت آيات القرآن تتنزّل عليه منذ الأيّام الأولى في مكّة المكرّمة حين بداية الدعوة لتنبّههم على هذا كما هو معلوم: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)}، فهذه الآيات نزلت في مكّة المكرّمة وكان المسلمون في العدد والعدّة ضعافاً، ولكن أراد الله تعالى أن يفتح أذهانهم ليدركوا أهمّيّة هذه الرسالة وأنّها رسالةٌ عالميّة وأنّهم مطالبون بإدراك الواقع ليعرفوا كيفيّة التعاون أو التعامل مع الأحداث وكيفيّة إيصال هذه الدعوة إلى أصقاع الأرض وأنّهم هم الذين سيجعلهم الله تعالى خير أمّةٍ أخرجت للناس وسيـ.. سيشكّلون ما يعرف بالشهود الحضاري الذي يقومون بسببه بتعليم الناس الخير ونشر الفضيلة وإقامة العدل في الأرض، فإذن هذا أمرٌ ضروري، طالب العلم يكون لديه سلّم أولويّات فيركّز على بعض العلوم أكثر من بعض، فنعم، لأنّه في هذه المرحلة لا يحكم على الأشياء برأي نفسه لأنّه لم يحط علماً بالقواعد الشرعيّة ولا إدراكه أيضاً يحيط بالأحداث الواقعة، فهو لا يزال غضّاً طريّاً، والله تعالى يقول: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، ويقول: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}، ثمّ إنّ هذا الطالب حين يدرك هذه الأحداث وإن كان لا يصل حكمه إلى الجزم فيها ولكنّه يسأل أهل الذكر الذين أُمر بسؤالهم والذين اتّخذهم قدوة وهو يثق في دينهم وعلمهم، فهو يستعين بهم على إدراك الواقع حتّى لا يضلّ الطريق، ثمّ إنّه يشعر بالانتماء لهذه الأمّة فهو مطالبٌ بذلك وهذا جزءٌ من تكوينه الإيماني لا أن يكون منعزلاً عن الأحداث، فهو مكلّفٌ ومطالبٌ بأن لا يكون مقيّماً للأحداث فقط وإنّما سيصل إلى درجة أنّه سيكون جزءاً منها أو فاعلاً مؤثّراً فيها، لا يكون مقامه مقام التلقّي عن الغير أو التبعيّة للغير أو ردود الفعل وإنّما ينبغي أن يكون أيضاً قائماً بالمبادرة في الأحداث والإصلاح للواقع.
المفتي
الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري
الشيخ د. عبدالله بن سعيد بن خلفان المعمري (مواليد 1972) محاضر سابق في في كلية العلوم الشرعية بعُمان ومتخصص في القرآن وعلومه؛ تخرج من معهد القضاء الشرعي والوعظ (1994)، ونال الماجستير من جامعة آل-البيت بتخصّص «القرآن وعلومه» ثم حصل على الدكتوراه من جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة. يبدي نشاطًا دعويًا وعلميًا متواصلًا (خطب الجمعة، محاضرات وكتب ومحاضرات مسجّلة على قناته)، أنشأ معهد النجاح للإدارة والتدريب. وله مساهمات في التدريس والبحث في أصول الدين والتفسير.