الفرق بين مسائل الدين ومسائل الرأي

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#العقيدة 2026-11-04

السؤال

يسأل عن الفرق بين مسائل الرأي ومسائل الدين، لأن الذين يتحدثون الآن في شبكات التواصل عن مسائل الرأي وعلى ضوء فهمهم لها يتم تخطئة مسائل كثيرة جداً يقول بها العلماء على اعتبار أنها من مسائل الرأي، وهذا الموضوع يدخل فيه الكثير من الكلام ويؤدي في كثير من الأحيان إلى تحزبات بين الناس في شبكات التواصل، نريد أن نضع ضابطاً لهذا الموضوع.

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد، فإن المقرر عندنا في التمييز بين مسائل الدين ومسائل الرأي أن مسائل الدين هي تلك التي تبنى على أحكام قطعية منصوص عليها من كتاب الله عز وجل أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو انعقد عليها الإجماع الصحيح المعتبر شرعاً. وبناء على ذلك تكون مسائل الرأي هي ما سوى هذا النوع من المسائل، فما لم يبن من الأحكام الشرعية على أدلة قطعية ثبوتاً ودلالة فإنه يعد من مسائل الرأي. هذا هو الفرق الجوهري بين مسائل الدين ومسائل الرأي، لكنني لا أظن أن الناس يؤتون من حيث تعريف مسائل الدين وتعريف مسائل الرأي، وقبل أن ننتقل إلى ما يؤتى الناس من قبله في هذه القضية ينبغي لنا أن نقف عند المعنى أولاً. فإذا كانت المسائل الشرعية مبنية على أحكام قطعية، والمعلوم بأن القطعية ينقسم إلى نوعين، فهو قطعي ثبوتاً أي من حيث وروده إلينا، وذلك إذا كان في كتاب الله عز وجل أو كان في سنة متواترة صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي بلغت حد التواتر، أو كان إجماعاً نقل إلينا أيضاً لا خلاف فيه في قضية أجمعت عليها الأمة أو اتفقت عليها الأمة، هذا معنى القطعية من حيث الثبوت. أما القطعية من حيث الدلالة فمعناها أن يكون ذلك النص أي الدليل الشرعي لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، وما سواه من التأويلات ما سواه من الوجوه إنما هي إن كانت محتملة فهي بعيدة كل البعد، وإلا فالأصل أنها لا تحتمل أي تلك الأدلة الشرعية لا تحتمل إلا دلالة واحدة. لنضرب لذلك مثالاً، قول الله سبحانه وتعالى: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة"، فهذه آية من كتاب الله عز وجل ولذلك فهي قطعية الثبوت، ثم إنها لا تحتمل إلا معنى الوجوب، إلزام المخاطبين بوجوب إقامة الصلاة وبوجوب إيتاء الزكاة. لا يمكن، لا تحتمل معنى آخر. من الأمثلة على ذلك أيضاً، لنأخذ مثالاً مما يسهل على الناس معرفته، يوم عرفة، الوقوف بعرفة، فقد أجمعت الأمة لأدلة وردت في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يوم عرفة إنما هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهذا يعني أن من يخالف في هذه القضية يكون معرضاً نفسه للفسوق لأنه مخالف في مسألة دين لا في مسألة رأي. وهذا أثر ما يترتب على التفرقة بين مسائل الدين ومسائل الرأي، أن مسائل الدين لا تحتمل الخلاف، والمخالف فيها مخطئ وهو معرض نفسه للفسوق والهلاك والعياذ بالله. وأما مسائل الرأي وهي أكثر، مسائل الرأي فهي أكثر شريعة الله تبارك وتعالى، فإنها ما سوى ما تقدم، فلا تجد إما أن يكون الدليل غير قطعي كأن يكون حديث آحاد على سبيل المثال، أو أن تكون دلالته محتملة، فدلالة ظنية كما يقول الأصوليون، ففي هذه الحالة تكون المسألة مسألة رأي. الآن لنأتي إلى قضية ما يؤتى الناس من قبله، الحقيقة من المؤهل للتمييز والخطاب لمن في مسائل الرأي ومسائل الدين؟ إنما هو للعلماء المجتهدين، فهذا لا يسوغ لعامة الناس ممن لا حظ لهم من العلوم الشرعية في أن يقسموا المسائل بناء على أهوائهم أو على جهل لا أساس له من العلم الشرعي المقبول، فإن مرد هذه القضايا إلى أهل العلم، هذا أولاً. ثانياً، حينما يقال بأن مسائل الرأي يسع فيها الخلاف وأنها علامة من علامات الرحمة بهذه الأمة، ونجد أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد اختلفوا وأقر رسولنا عليه الصلاة والسلام اختلافهم ذلك كما في حديث "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"، فمنهم من فهم المبادرة والتعجيل مع أدائهم للصلاة في وقتها، ومنهم من أخذ ظاهر اللفظ فلم يصل العصر إلا في بني قريظة وكان ذلك بعد خروج الوقت، فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن توجيهه لهم يحتمل المعنيين. فمرد الأمر إذاً أولاً إلى العلماء القادرين على الاجتهاد، ولا نقصد بذلك أيضاً التضييق على الناس ونقول بأن الاجتهاد هنا هو الاجتهاد المطلق، بل يكفي حتى الاجتهاد ما يعرف عند الأصوليين بالاجتهاد الجزئي الذي يمكن أن يكون في فن من الفنون أو حتى في جزء من الفروع الفقهية لكن صاحبها متقن ضابط بصير خبير بتلك الجزئية. وعلى هذا فإن من يتبع الهوى ويسعى إلى أن يبرر لنفسه المخالفات الشرعية بدعوى أنها من مسائل الرأي فهو خارج عن هذا الباب، هي ليست تبريراً أي التقسيم إلى مسائل دين ومسائل رأي هي ليست مسوغاً لارتكاب الناس للمخالفات الشرعية بدعوى أن مسائل الرأي لا يخطأ فيها، لأن قصده للمخالفة في ذاته هو أمر غير مقبول شرعاً، وهو من مسائل الدين أن يقصد مخالفة أمر الله تبارك وتعالى والانحراف عن الصراط المستقيم واتباع الهوى، هذه مما لا تحتمل الخلاف، لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا باتباع الصراط المستقيم وبأن نستقيم على دينه جل وعلا. وهذا هو المدخل الذي يؤتى من قبله كثير من الناس، فإنهم يؤتون من قبل الهوى، حتى لو سلمنا أن لدى بعضهم شيئاً من العلم الكافي في تلك الجزئية إلا أنهم للأسف الشديد إنما يسعون إلى تبرير ارتكاب مخالفاتهم التي تبنى على اتباع هوى لا على اتباع دليل شرعي، لا على تأويل صادر من أهله تأويل مقبول صادر من أهله. ولهذا نجد، وسأختم، نجد أن المسألة الواحدة قد تكون في ذاتها ذات طبيعتين، يمكن أن تكون باعتبار من مسائل الدين لكنها باعتبار آخر من مسائل الرأي. فنظر المتأول فيها هو الذي يصنفها، فإذا كان تأويله صحيحاً مقبولاً شرعاً فإنها من مسائل الرأي يوسع له فيها لأن أنظار المجتهدين تختلف وتتفاوت، وأما إذا لم يبن ذلك الرأي على أساس شرعي صحيح أو على تأويل مقبول وإنما كان مبعثه اتباع الهوى ومجانبة الصواب فإن المسألة حينئذ تكون من مسائل الدين لهذا الاعتبار. وقد مثل الشيخ السالمي رحمه الله تعالى لهذه المسألة بالقتيل، من قتل، فهل قتل في أجله؟ هل ذلك هو أجله؟ أم أن أجله الذي كتبه الله عز وجل له أن لو لم يقتل فكان مقدراً له أن يعيش إلى كذا وإلى أن تحين ساعة وفاته؟ فالشيخ السالمي رحمه الله عد هذه المسألة من هذا النوع من المسائل ذات الطبيعتين، بحيث إن الذي يقول بأن أو يتأول من العلماء أن هذا الذي قتل قد كتب الله عز وجل له أجلين، أجل القتل وأجل الوفاة أن لو لم يحصل القتل والله عز وجل قد علم أنه يقتل، فقال حينئذ تكون هذه المسألة من مسائل الرأي لأن هذا المتأول تأول بوجه شرعي صحيح مقبول. لكنه لو نظر إليها باعتبار آخر أن المتأول يدعي أو يزعم أن هذا لم يكن في علم الله تعالى فحينئذ تكون المسألة مسألة دين لأنه أضاف إلى الله تبارك وتعالى صفة نقص وهي الجهل. يعني أنا قلت سأختم، أؤكد على أن المقصود ليس التسويغ لاتباع الهوى ولا التبرير للمخالفات الشرعية وإنما أن يكون الاجتهاد صادراً من أهله وأن يكون التحري لاتباع الدليل الشرعي، قد لا يصل إليه دليل شرعي قد لا تصل إليه كل الأدلة الشرعية قد يقصر نظره عن اجتهاد أرجح أو أصوب، كل هذه مما تسوغ أن تكون المسألة مسألة رأي، أما فيما سوى ذلك فإنها تكون من مسائل الدين كما تقدم والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

الفرق بين مسائل الدين ومسائل الرأي
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي