الحكمة من الابتلاءات والشرور في الدنيا

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#العقيدة 2026-11-04

السؤال

ما الحكمة من وقوع الابتلاءات والشرور والمصائب في الدنيا كالأمراض أو الفقد أو الفقر أو الكوارث والحروب أو الفشل وغيرها؟ وكيف يوضح المسلم هذه الحكمة لمن يلتبس عليه الأمر أو يستغل هذه المسائل للتشكيك في حكمة الله تعالى ورحمته؟

الإجابة

الجواب باختصار شديد: أنه لا ينبغي لمسلم أن يلتفت إلى هذه الشبهات، لأن الصحيح أن عقيدة الإيمان تنفي عنه تماماً هذه الشبهات، إذ لم يأتِ في كتاب الله عز وجل ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن هذه الحياة الدنيا هي دار نعيم وأنها دار خالية من الابتلاءات والامتحانات والشرور، بل العكس من ذلك، فالحياة الدنيا إنما هي دار ابتلاء، هذه حقيقة لا ينبغي أن يغفل عنها المسلم، وكتاب الله عز وجل واضح صريح نص عليها: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، فإذاً هذا هو الأمر الأول الذي ننطلق منه، أن هذه الحياة هي دار ابتلاء، وأن الدار الآخرة هي دار جزاء على أدائنا في هذه الابتلاءات التي نتعرض لها في هذه الحياة الدنيا.

الأمر الثاني: أن هذه الابتلاءات تقرب العباد من ربهم، إذ الغالب في النفس البشرية أنها عندما تواجه ما يكون فيه مشقة أو عسر أو صعوبة أنها تلجأ إلى قوة أعظم، فهذا مذكر إلى أن المسبب للأسباب هو الله تبارك وتعالى، فالمسلم يفزع إلى ربه، بل النفس البشرية إذا كانت صافية كما نفهم الفطرة البشرية كما نفهم من كتاب الله عز وجل وكما نرى في الواقع اليوم، فإنها تجنح إلى الاستعانة بقوة عظمى تملك تدبير الأمور، هذا المعنى ملحوظ في الابتلاء بالشر، وهو أن يركن هذا الإنسان إلى الخالق القوي القدير الحكيم المدبر. الأمر الثالث: هو أن في هذه الابتلاءات والشرور الكثير مما يظهر المعاني الإنسانية لهذا الإنسان، فالحياة ليست أمراً خالياً من المشاق والصعوبات، الحياة ليست طريقاً ممهداً بالورود كما يقال، وإنما تحصل فيها هذه الابتلاءات فإذا بمعاني الصبر واحتمال الأذى والرجاء والإيثار والتعاون، سواء كانت من القيم الفردية أو من القيم الجمعية، تتجلى في هذه المواقف بما لا تظهر معه أصلاً في مواقف الخير والسعادة والابتهاج والاستبشار، فإظهار هذه القيم هو إظهار لمعدن هذا الإنسان المكرم، هذه لا تظهر في عموم الأحوال العادية، هذه تظهر وتنكشف في مثل هذه الابتلاءات. الأمر الرابع أن إن كان هناك من حاجة إلى تفسير سبب هذه الشرور والابتلاءات، فالحاجة أشد إلى تفسير سبب الخير وأسباب الابتهاج والسعادة في هذه الحياة وهي أكثر بكثير في عموم حياة الأفراد والمجتمعات والأمم والشعوب، ما يبسط لهم من نعم وآلاء أكثر بكثير، لو سألت أي مكلف، قد يكون هناك من يبتلى بمرض مزمن أو يطول مرضه، لكنه في عموم بني البشر هم الأقل دائماً، ولذلك تزدهر هذه الحياة وتعمر هذه الأرض ويبتهج الناس فيها ويتنعمون، فما مصدر هذا الخير؟ من أين أتى؟ لماذا لا يسأل عن مصدر هذا الخير كما يقال إذا كان هناك سؤال عن الشر المطلق، فلم لا يكون مثل هذا السؤال صحيحاً في ما يعرف بالخير المجاني الذي لم يتسبب فيه الإنسان؟ الأمر الخامس جانب عقلي، هو كيف توصل هذا العقل إلى أن هذه الابتلاءات هي من الشرور؟ فبضدها تتميز الأشياء، هو علم أن هذا فيه ابتلاء وشر لأنه كان في خير وكان في نعيم، كان في صحة، كان في قوة، فهذا هو الذي يدعوه إلى أن يعمل عقله في التفكر في ما هو غائب عنه، فإعمال العقل من مقاصد الابتلاء بالشر، لأنه بحصول الشر تبين له أنه شر، وهذا دليل على أن هناك هدايات هي التي صنفت له أن هذا من الشر وأن ما كان فيه هو من الخير، فكما يقال دليل العقل ودليل الفطرة يجتمعان في الابتلاء بالابتلاءات والشرور التي تصيب بني البشر. كذلك كثيراً ما يكون الابتلاء بالشر سبباً لتلافي أسبابه وعلاج بواعثه، وكثيراً ما يكون سبباً للعمران والبناء بما هو أفضل وأكمل في كل وجوه الحياة العمرانية المادية، سواء كان ذلك في ما يتعلق بالأمراض والعلل لدراسة آفاتها ومسبباتها وابتكار علاجاتها ولقاحاتها وتطعيماتها، أو كان ذلك حتى في الجانب البنائي المادي في الجسور والشوارع والمباني وغير ذلك، أو كان ذلك في ما يتصل بالتقنية، فإن هذه الابتلاءات هذه الشرور التي تحصل بتسبب أو بدون تسبب من بني البشر، أي أن يكون ذلك بأخطاء منهم أو يكون ذلك بما لم يعدوا له العدة من ظروف ومتغيرات من حولهم أثرت في صنيعهم، فإن ذلك يكون سبباً لترقي هذا الإنسان ولطلبه لمزيد من العلم ولإحكامه لهذه الحياة صناعة وتقنية وعلماً ومعرفة إلى آخره.

لا ننتهي إن شاء الله تعالى، هنا أيضاً ملحظ سبب آخر متصل بالجانب العقدي أول الأمر وهو أن كما قلت إذا كان الله تبارك وتعالى قد أكد لنا في كتابه الكريم أن هذه الحياة هي دار ابتلاء، فقد أكد لنا أيضاً حقيقة أخرى لا بد أن نستحضرها ونحن ننظر في ما يعرف بمشكلة الشر وهو أن الحياة في نظر المؤمن حياة لها مراحل، المرحلة الأولى منها هي هذه الحياة الدنيا دار العمل، ثم البرزخ ثم الحياة الأبدية، فلا تنتهي الحياة في هذه، لا تنقطع أعمار بني البشر بما يصيبهم فيها مما يقضي على حيواتهم، لأن هناك حياة أخرى، هذه الحياة الآخرة هي حياة أبدية خالدة، ولذلك فإن المكلف فيها المؤمن الذي ينظر بكل هذه الاعتبارات يوجه نظره إلى الحياة الباقية لا إلى الحياة الفانية، ويصبر على ما يصيبه في الحياة الفانية لأنه يتطلع إلى ثواب الله تبارك وتعالى في الحياة الأبدية الخالدة، فلا تتناسب هذه الشبهة مع نظرة المؤمن إلى مفهوم الحياة الواسع الذي جاء به هذا الدين الحنيف. إذاً هناك كثير من هذه المعاني التي لا بد من الوقوف عندها حين النظر إلى قضية مشكلة الشر، هذه أهم الردود التي يمكن أن تذكر ولعل مناسبات أخرى تسنح فنذكر غيرها بمشيئة الله تعالى، والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

الحكمة من الابتلاءات والشرور في الدنيا
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي