السؤال
هذا الشهر المبارك آذن بالرحيل وسيودعه الناس يعني غداً سيكون يوماً بهيجاً يبتسم أو يستبشر الناس فيه بعيد الفطر، لكن هذه المكاسب وهذه الطاعات التي تحققت للمسلم في هذا الشهر المبارك كيف يحافظ عليها بعد رمضان؟
الإجابة
ينبغي له أولاً أن يتعرف على هذه المكاسب والمغانم التي حظي بها من هذا الشهر المبارك، وأغلى هذه المغانم تقوى الله سبحانه وتعالى، وقد تحققت له حينما صام إيماناً واحتساباً، وقام ليالي رمضان إيماناً واحتساباً، وحرص على قيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، حينما شعر بلذة العبادة وحلاوة المناجاة وعظم الطاعة لله تبارك وتعالى، حينما قرأ كتاب الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، تدبر في معانيه في هذا الشهر الذي أُنزل فيه، وحرص جاهداً على أن يتعلّم القرآن، وأن يعلّم القرآن، وأن يتدبّر في القرآن الكريم، وأن يأخذ منه الهدى والنور والرشد والمواعظ والحكم والأحكام، وأن يطوّع حياته وفقاً لهذا النظام الدقيق، فهو محافظٌ على صلاته، محافظٌ على صيامه، محافظٌ على أوقاته في إمساكه وفطره، في أدائه للصلوات، في صلته للأرحام، في تخصيصه لجزءٍ من وقته لكتاب الله عزّ وجلّ، فيتعلّم النظام. حينما يناجي ربّه داعياً مبتهلاً ضارعاً إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ الدعاء والضراعة والابتهال إلى الله عزّ وجلّ تحلو في هذا الشهر الكريم الذي أمرهم الله تبارك وتعالى فيه بأن يتضرّعوا إليه حينما قال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. حينما يدرك أيضاً أنّ من مغانم هذا الشهر الفضيل أنّه أدرك حقيقة الدنيا، فهي سريعة، تنطوي أيامها ولياليها دون أن يشعر، فبالأمس القريب كان يستقبل هذا الشهر، وإذا به اليوم يودّعه، بالأمس القريب كان يدخل في هذه العبادة، وإذا به اليوم يودّعها ويخرج منها، لينتقل إلى يوم العيد، يوم البهجة والاستبشار بطاعة الله عزّ وجلّ، يوم الفرح والسرور والجائزة بأن بلّغه الله تبارك وتعالى تمام هذا الشهر، ومكّن له أن أطاع ربّه سبحانه وتعالى فيه، ولذلك قال: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، وما أعظم هذه الكلمة: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}، فهو يستشعر في نفسه أنّ الله تبارك وتعالى أكبر من كل حظوظ هذه الحياة الدنيا، هو أكبر من أهوائه وشهواته وغلوّاء نفسه، هو أكبر من مطامعه ومطامحه، وقد أثبت ذلك في شهر رمضان؛ لأنّه تغلّب على هوى نفسه، وكفّها عمّا أباحه الله تبارك وتعالى، فهو على كفّها عمّا حرّم أقدر. حينما يدرك أنّ هذه الحياة الدنيا رخيصةٌ زائلة، وأنّ كل ما فيها فان، فإنّه حينئذٍ سيدرك معاني الصيام، وسيخرج بزاد التقوى، وسيستصحب هذه المعاني طيلة العام، فيكون أكثر إقبالاً لله تبارك وتعالى، وأكثر حرصاً على الطاعة، وأكثر بذلاً للمعروف، سيشارك إخوانه الفقراء والمساكين والمحتاجين مشاعرهم وأحاسيسهم وآلامهم وآمالهم، فسيمدّ إليهم يد العون، وسيبسط قلبه قبل أن يبسط يده إليهم بالمعروف والإحسان. سيحرص على ما فيه خير مجتمعه ووطنه؛ لأنّه رأى أنّ هذه الملايين من البشر التي تمتثل أمر الله تبارك وتعالى تتجلّى فيها معنى الأمّة الواحدة، تتجلّى فيها معاني الإيمان الصادق، فيحرص على أن لا يشوّه هذه المعاني، سيتمكّن من أن يثبت للعالم أجمع أنّ هذا الدين دين صفاء وسلام وأمن وحبّ للخير وتعاونٍ على البرّ والتقوى وإصلاحٍ لهذه الحياة، وأنّ المسلم فيه لا يُجذب إلى طين هذه الأرض وإنّما يتسامى ليكون مترفّعاً عن دنايا هذه الحياة الدنيا إلى همّةٍ عالية وإلى نظرٍ بعيد يقصد به رضوان الله تبارك وتعالى وأن يبلغ الجنان العالية. هكذا يستفيد من مدرسة الصيام، وهكذا يحافظ عليها بعد ذلك بصنوف الطاعات التي جعلها ربّه جلّ وعلا مذكّرةً له بمعاني الطاعة وبكل ما تقدّم، من صدقة الفطر التي يخرجها طهرةً للصائم لصيامه وطعمةً للمساكين كما يعني سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فرض عليه الصلاة والسلام، سيحرص أيضاً على أن يتنفّل ويتقرّب إلى الله تبارك وتعالى بجنس العبادة التي كان فيها وهي الصيام، فمن صام رمضان ثمّ أتبعه بستٍ من شوّال فكأنّما صام الدهر، سيحرص أيضاً على أن لا يهجر كتاب الله تبارك وتعالى وقد كان معه ألفه وسهر معه وكان تالياً له أطراف النهار وآناء الليل، فلن يهجر القرآن الكريم بعد ذلك، سيحرص على النظام في حياته، سيحرص على نفع الآخرين، سيحرص على الترفّع عن حطام هذه الحياة الدنيا، هذه كلّها تعينه على أن يحفظ ما غنمه في مدرسة رمضان.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- برنامج للمحافظة على المكاسب الروحية بعد رمضان سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تحويل الحزن على فراق رمضان إلى خطة عمل للثبات على الطاعة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- المحافظة على روحانية رمضان بعده جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
- شعور المؤمن عند وداع رمضان فرح أم حزن سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- استعداد المسلم لاستقبال شهر رمضان سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي