الموازنة بين محاسبة النفس ونقد الدعاة

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الأخلاق 2026-11-04

السؤال

البعض يقوم أو يشتغل بانتقاد الآخرين على اعتبار أنهم مقصرون في عبادتهم في دعوتهم لله في قيامهم بالأنشطة الدعوية وغيرها، ويجد أن ذلك فيه نوعٌ من التزكية لنفسه أو من الأمن لمكر الله إن صح التعبير، لكنه في نفس الوقت يحتاج أن يناقش التقصير في حق الدعاة أو التقصير عند الدعاة، يطالبهم بالمزيد من الأعمال يطالبهم بالكثير من الأنشطة. كيف يوازن الإنسان بين الخوف من تزكية نفسه على حساب نقد الآخرين وبين مطالبته أو تقديم النقد للنشاط الذي يراه أنه لم يكتمل؟

الإجابة

الأصل أولاً أن يفتش عن عيوب نفسه، وأن يسعى إلى حمل نفسه على التزكية وخصال الخير وعلى نفي خصال السوء عنها والبعد عن مواطن الريب والشبهات، وأن يخلص قلبه لله تبارك وتعالى ويجرد هذا القلب من الأدواء والأمراض التي يمكن أن تعتريه. كما أن عليه أن ينصح لإخوانه، فالدين النصيحة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سُئل: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". وربنا جل وعلا يقول قبل ذلك في كتابه الكريم: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، وقد أقام بناء مجتمعات المسلمين على الائتمار بالمعروف والتناهي عن المنكر، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، فهو من واجبه أيضاً أن ينصح لإخوانه المسلمين. لكن النصيحة لا تعني تتبع العورات ولا تعني التجسس أو التحسس لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"، وقال: "لا تجسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحسسوا وكونوا عباد الله إخوانا". فإن نصح أخٍ لك في الدين لا يعني أن تتبع عوراته ولا يعني أن تحمله على أسوأ المحامل وأسوأ الظنون به، بل الواجب أن تحمله على خير الظنون وعلى أحسن الوجوه، وأن تأخذ منه ظاهر أمره وتدعوه بالحكمة والموعظة الحسنة إلى ما هو خيرٌ له في عاجل أمره وفي آجله. وعلى المنصوح أيضاً أن يقبل، فإن من أهدى له عيباً أو وجه له نصيحة ما صدر ذلك منه إلا لمحبته إياه، فإن توجيه النصح دليل المحبة، أما لو تركه هكذا سادراً في غيّه منتهكاً لحدود الله تبارك وتعالى فهذا غير ناصحٍ له ولا مؤدٍ لحقوقه. فلا يصح أن يضيق ذرعاً بنصح الناصحين أو وعظ الواعظين، بل عليه أن يشكر لهم مسعاهم ذلك وأن يقدره لهم وأن يبادلهم بالدعاء وحسن الثناء، وحتى إن كان يظن أنه بريءٌ مما رُمي به أو مما نُصح عنه فلعله خفي عليه، والنفس هي ألد أعداء الإنسان وهي في ذات الوقت أحب الأعداء، فلينتبه لغوائل الشيطان ولوساوس هذه النفس التي تأمر بالسوء، فلعله فيه ما خفي عليه هو واطلع عليه أخوه، فليفتش في نفسه وليطلب المزيد من النصح. هذا كان هدي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا خير القرون رضوان الله تعالى عليهم، فلا ينبغي لمسلمٍ أن يأنف من قبول النصيحة بل من تطلبها، أن يسأل إخوانه أن يؤدوا إليه حقه بالنصح والتوجيه والإرشاد. بهذا يتماسك المجتمع ونؤدي حقوق بعضنا البعض، وهذا مختلفٌ تماماً عن تتبع العورات والتجسس وحمل الناس على أسوأ المحامل، ولا يشذ من هذا أحد، لا من أهل الفضل ولا من أهل العلم ولا من ذوي الولايات، بل هي من حقوق المسلمين على بعضهم البعض، وهذا ما يميز المسلمين في مجتمعاتهم عن غيرهم من الأمم والشعوب.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

الموازنة بين محاسبة النفس ونقد الدعاة
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي