إلقاء السلام على غير المسلم

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الأخلاق 2026-11-04

السؤال

ما حكم إلقاء السلام على غير المسلم؟ هذه الدول طبعاً فيها يعني أمم مختلطة من المسلمين وغيرهم، ما حكم إلقاء السلام على غير المسلم إذا كان مسالماً؟ بل إن البعض منهم توكل إليه مهمة حفظ أمن الساكنين في بعض المجمعات السكنية وفيها مسلمون. وهل لمن تعلق بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام لأبيه: "سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا"، وبقوله عز وجل: "سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ" يعد متمسكاً؟ وأيضاً فإن قيل إن الاعتياض عنها بصباح الخير أو مساء الخير أولى، أفليس في هاتين العبارتين نوع دعاء أيضاً لغير المسلم؟ أم أن السلام خاص بالمسلمين فيما بينهم فقط؟ وهل لمن تعلق بقوله تعالى: "وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى" حجة في كونها خاصة بمن اتبع الهدى؟

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. أسأل الله تعالى بداية أن يوفق إخواننا الدارسين في الخارج وأن يعينهم على حفظ دينهم وعلى التمسك بآداب هذا الدين وأن يعلمهم ما ينفعهم وأن يفقههم وأن يعينهم على التمسك بالصراط المستقيم وأن يوفقهم في دراستهم، آمين يا رب العالمين. أما الجواب على هذه المسألة فإن مسألة إلقاء السلام على غير المسلم فيها خلاف قديم بين أهل العلم، ويمكن لنا أن نختصر أقوال العلماء فيها إلى أقوال أربعة: قول المانعين وهو قول أكثر الفقهاء لا سيما من المتقدمين، فإنهم يمنعون ابتداء غير المسلمين بإلقاء السلام عليهم، ويستندون في ذلك إلى جملة من الأدلة وأظهر هذه الأدلة هو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها". هذا الدليل هو أبرز ما احتج به المانعون من إلقاء السلام على الكافر أي على غير المسلم كتابياً كان أو غير كتابي. وأما الآية التي يشيرون إليها في السؤال وهي قول الله عز وجل على لسان نبيه الكريمين موسى وهارون: "وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى" فلا متمسك فيه، لأن دلالتها دلالة مفهوم وهو من أضعف المفاهيم، وإنما حجة هؤلاء هو الحديث المتقدم وهو حديث صحيح. والقول الثاني هو قول القائلين بالجواز مطلقاً، فإن طائفة من العلماء يقولون بجواز ابتداء غير المسلم بالسلام، ومنهم بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعض التابعين وطائفة من علماء هذه الأمة من السلف والخلف، وهؤلاء استندوا إلى جملة من الأدلة العامة التي وردت أيضاً في كتاب الله عز وجل وفي هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي مقدمة هذه الأدلة ما علم من هدي هذا الدين أنه جاء لنشر السلم والسلام وأنه دعوة إلى هداية الناس إلى الصراط المستقيم وأنه جاء بمكارم الأخلاق ومحاسن الخلال، فالله تعالى يقول: "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"، فلئن كان الله عز وجل يبين في هذه الآية إرشاد عباده إلى أن يكونوا بررة مقسطين بغير المسلمين ممن لا يقاتلونهم في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم فإن من أبسط أنواع البر بهؤلاء إلقاء السلام عليهم. وكذلك استدلوا بقوله جل وعلا: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا"، فإن طائفة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم حمل القول الحسن المأمور به في هذه الآية الكريمة على إلقاء السلام، وقال بأنه غير خاص بالمسلمين لأن الله تعالى قال: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ" أي لمؤمنهم وكافرهم، تقيهم وفاجرهم، ما لم يكن متلبساً بمنكر حالة مقابلته. واستدلوا أيضاً ببعض الآيات التي وردت في السؤال من نحو وصف الله عز وجل للمؤمنين قالوا: "لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ"، فإن هذه المحاورة هي مع غير المسلمين سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين المكذبين، فالله عز وجل أثنى عليهم وبين أن ذلك من خلالهم وصفاتهم. وكذا في قوله جل وعلا: "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا"، فإن عدداً من المفسرين أيضاً يحملون السلام على ظاهره وهو إلقاء كلمة السلام على هؤلاء الذين يخوضون في اللغو من القول. وكذلك أيضاً استندوا إلى قول إبراهيم لأبيه: "سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا"، ولم يرد ناسخ لهذا التوجيه أو لهذا الهدي الذي أكرم الله عز وجل به نبيه الكريم إبراهيم الخليل عليه السلام. وردوا على قول المانعين المستندين إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام" بأن ذلك ورد في سبب خاص وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان على هم بأن يغزو بني قريظة، يهود بني قريظة، فقال ذلك قبل يوم من خروجه إليهم، فقد قال لأصحابه رضوان الله تعالى عليهم: "إنا آتون يهود غداً فلا تبدؤوهم بسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها"، فجعلوا هذا الحكم المأخوذ من هذا الحديث خاصاً بحالة الاستعداد لترك المسالمة والانتقال إلى القتال والمواجهة، فترك الموادعة والانتقال إلى حالة المتاركة وإلى نبذ عهد السلم والأمان الذي يكون بين المسلمين وغيرهم لا يتناسب معه إلقاء السلام على هؤلاء الذين يهم المسلمون بغزوهم وقتالهم لعدوان تقدم منهم. أما القول الثالث فهو قول من حمل النهي على الكراهة، فإن من الفقهاء من يرى أن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابتداء غير المسلمين بالسلام إنما يحمل على الكراهة لهذه الصوارف والقرائن والأدلة الواردة في كتاب الله عز وجل وفي ذات سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولما علم من حاله عليه الصلاة والسلام من أنه كان يستقبل وفوداً من المشركين ومن اليهود ومن النصارى من العرب ومن غيرهم، وكان يكاتب غيرهم وما عهد عنه أنه كان ذا جفاء في خلقه ولا يبتدؤهم بالسلام والتحية. وأما القول الرابع فهو قول من يرى أن السلام عليهم إنما يكون، أن ابتداء السلام عليهم إنما يكون حينما توجد حاجة دينية أو دنيوية كاتقاء أذى أو دفع شر من شرورهم أو رجاء مصلحة راجحة من دعوتهم إلى الخير أو إيصال الهدى إليهم أو غير ذلك من الأمور المعتبرة شرعاً، فهؤلاء يقيدون الإباحة بتحقق مصلحة ومنفعة. والحقيقة أن هذا القول قريب من قول القائلين بالجواز، لأن القائلين بالجواز قيدوه بما لم يكن في إلقاء السلام عليهم أي نوع من أنواع الذل والهوان أو إكرام الكافر لكفره وشركه، وإنما قيدوه أو يفهم من كلامهم أن ذلك إنما لما يتوخى من مصلحة دينية أو دنيوية. وهذا القول، القول بالجواز مع وجود مصلحة هو القول الأظهر، لأن غاية ما تمسك به المانعون هو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام" وهو دليل خاص، وكان الواجب أن تحمل الأدلة العامة على هذا الدليل الخاص على ما هو مقتضى القواعد الأصولية، لكن هذا الدليل الخاص ورد في سبب خاص فيحمل عليه، وهذا هو الذي يفهم حتى من جملة من أدلة الكتاب العزيز حينما نجد أن الله سبحانه وتعالى يعاتب المسلمين على من ألقى عليهم السلام: "وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"، هذا في حالة المواجهة، في حالة الاقتتال، فإذا كان العتاب الذي وجه للمسلمين على أنهم حملوا من ألقى إليهم السلام على رغبته في دفع القتل عن نفسه ويأتي القرآن الكريم ليعاتبهم في أنهم ما كان ينبغي لهم أن يقتلوه حينما يلقي عليهم السلام، فمن باب أولى أن يكون هدي هذا الدين في حالة السعة والمسالمة وفي حالة الذمة التي تكون بينه وبين غيره أن يكون هديهم إظهار شعائر هذا الدين وبسط الأخلاق للناس وإعلاء، لأن ما يقوله أيضاً وهذا ملمح، ما يقوله بعض المانعين من أن في إلقاء السلام إكراماً للكافر رده أيضاً كثير من العلماء بأن هذه التحية هي تحية الإسلام وهذا شعار للمسلمين، فإلقاؤه على غيرهم هو رفع لشعار الإسلام وإكرام للمسلم نفسه في محافظته على أخلاق دينه وعلى شعائر دينه، والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

إلقاء السلام على غير المسلم
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي