السؤال
كيف نوفق بين أن الإسلام رسالة سمحة لا يجبر أحداً على الإسلام بالسيف، وبين دعوة سيدنا سليمان عليه السلام للدين لملكة سبأ بقوة، وبين الفتوحات أيضاً؟ سؤال الآن ليطمئن قلبي وليرد الشك الذي ربما يفرضه البعض على هذا الدين.
الإجابة
منشأ ما يسأل عنه هو عدم وضوح حقيقة تشريع القتال في الإسلام، فلم شرع القتال؟ وكيف شرع القتال في الإسلام؟ وإن أذنت لي فإنه لا بد لي من مقدمة بسيطة، من المعلوم أن نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فكل نبي قبله كان يبشر بنبي أو رسول يأتي من بعده، ومن أجل ذلك فإن الفساد الذي يظهر في أمة نبي يأتي نبي لاحق ويدعو الناس إلى الخير ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويسعى إلى القضاء على ذلك الفساد. لكن لما كان نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، هو آخر الأنبياء والمرسلين لا نبي بعده ولا رسول، فإنه من اللائق عقلاً ومنطقاً أن يشرع له القتال، لأن القتال من وجوه دفع الفساد عن الأرض وعن الناس وعن المستضعفين في الأرض. هذه المقدمة لا بد منها لفهم كيف شرع القتال في هذا الدين. ثم لنؤصل لفقه القتال، القتال أو استخدام العنف بالتعبير المعاصر إنما شرع في الإسلام، إذا أردنا التصنيف، لثلاثة وجوه: الوجه الأول وهو متفق عليه في كل الملل والشرائع وتقره أيضاً واقع حياة الناس المعاصرة اليوم، كل الشرائع والدساتير تقره، وهو الدفاع عن النفس. فالدفاع عن النفس حق مشروع لمن اعتدي عليه، والدفاع عن النفس يشمل صوراً شتى منها المقاتلة، المدافعة. وقد يمتد الدفاع عن النفس، فمن اعتدي عليه في عرضه أو في أرضه أو في مقدساته أو في ما سوى ذلك فإن له أن يدفع هذا الذي اعتدى عليه بمثل ما اعتدي عليه، فلو احتل عدو له أرضه فإن عليه أن يدفع هذا العدو وأن يدافع عن نفسه ولو طالت المدة وامتدت السنين فإن هذا لا يسقط حقه في دفاعه عن أرضه، لا يسقط. قد تتنوع الأساليب، قد يكون هناك حوار ومجادلة وقد تكون هناك مقاتلة بالقوة، كل هذه من وسائل الدفاع عن النفس، هذا هو النوع الأول. النوع الثاني وهو أثر مترتب على النوع الأول، وهو إقامة العقوبات المترتبة على عدوان المعتدي وظلم الظالم، فإن فات الدفاع عن النفس فليس له بعد ذلك أن يجاوز إلى الانتقام، بل عليه أن يلجأ إلى السلطة الشرعية لأجل الوصول إلى حقه، وهنا يأتي تشريع العقوبات، والعقوبات فيها استخدام للقوة استخدام للعنف لأنها عقوبات في مقابل جرم أورث فساداً في الأرض واعتداءً إما على الأنفس أو على الأموال أو على الأمن العام أو على الأعراض، فشرعت من أجل ذلك عقوبات، لكن الخطاب بها منوط بولي الأمر، هو ليس لعامة الناس. أما الدفاع عن النفس فهو لكل من اعتدي عليه، وهذا هو الصنف الوحيد الذي يباح فيه استخدام القوة للأفراد للأشخاص، دفاعاً عن أنفسهم. أما الصنف الثاني والصنف الثالث فإنه لا يكون إلا لولي الأمر، للسلطة الشرعية الحاكمة، وليس للأفراد أن ينازعوا السلطة الحاكمة أو أولياء الأمور هذا الحق، وإلا عمت الفوضى، ولذلك فإن أمر العقوبات وإقامة الحدود إنما يكون لولي الأمر الشرعي الذي يبسط في الناس العدل ويسير فيهم بالسوية ويبسط ما أمر الله سبحانه وتعالى ببسطه من إقامة الحدود في الأرض. الصنف الثالث هو إزالة العقبات عن دعوة هذا الدين، عن الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، ولعل هذا الصنف هو الذي فيه كثير من الخلاف وكثير من الإشكال، ولذلك قلت إزالة العقبات التي تعترض طريق وصول الدعوة إلى سبيل الله تبارك وتعالى والدعوة إلى دينه عن سائر الناس، لا يعني إكراه الناس على قبول هذا الدين وإنما المشروع أيضاً لولي الأمر الشرعي العادل أن يزيل العقبات التي تحول بين وصول هذه الدعوة إلى عموم الناس. وفي ظل هذا الصنف نفهم جملة من الأدلة الشرعية، فالله تبارك وتعالى يقول: «وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها»، والله سبحانه وتعالى يقول: «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم»، ويقول: «يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله واليوم الآخر وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم» الآية، وغيرها من الأدلة الشرعية. وفي ظل هذا النوع نفهم أيضاً الرسائل التي بعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للملوك والحكام الذين كانوا لهم حضارات قائمة ولهم دول قائمة، فأرسل إلى ملكي عمان في ذلك الوقت وأرسل إلى اليمن وأرسل إلى مصر وأرسل إلى فارس وأرسل إلى الروم، وفي رسائله تلك فإنه كان يدعوهم إلى قبول هذا الدين، فمن أذن لدعاة الإسلام ولسفراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلوا إلى الناس كف عنه صلى الله عليه وآله وسلم، ومن دخل في الدين كف عنه، ومن منع وصول دعوة الإسلام إلى عموم الناس أو اعتدى فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توعده في نفس الرسائل التي كتبها إليه. وفي ظل هذا الصنف نفهم أيضاً الفتوحات التي قام بها المسلمون، فإنهم كانوا يدعون الناس إلى الخير ومتى ما وجدت عقبات أو موانع تحول بينهم من إيصال الدعوة إلى الناس من طواغيت أو من ظلمة يمنعونهم من إيصال الدعوة إلى الناس فإنه أبيح لهم القتال. لكن هذا القتال مشروط بشروط لا ينفك عنها، وقد تقدم أنه منوط بولي الأمر فهو للسلطة الحاكمة وليس لعموم الناس، ثانياً هو مبني على أخلاق وضوابط، وهذه الأخلاق والضوابط لا يصح التنازل عنها قيد شعرة، لا يصح شرعاً وإلا أثم الفاعل، فمن أظهر الإسلام وأتى بكلمة التوحيد لا يحل قتله حتى ولو قالها وهو في ظن هذا المسلم أنه إنما أراد بذلك أن يدفع عن نفسه القتل، «ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا». أما الشرط الآخر فهو أيضاً الإنذار، وللأسف الشديد فإن كثيراً من الفقهاء وكثيراً من العلماء الذين يتحدثون في هذه القضايا يهملون هذا الشرط مع أنه من ألزم شروط إعلان الحرب، وقد تقيد به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان يوصي قادة جنده وكان خلفاؤه الراشدون رضوان الله تعالى عليهم من بعده يوصون قادة جيوش المسلمين ألا يدخلوا قرية أو يعلنوا حرباً إلا بعد أن ينذروا إلى أهلها. أما الغدر والقتل غيلة والفتك بالناس فليس هو من شيم هذا الدين أبداً ولا محل له في هذا الدين حتى ولو صدر من أهله، أي من سلطة حاكمة، فقد كان هدي الخلفاء الراشدين أنه إن أتاهم أهل قرية وهم يثبتون أن قائد جيش المسلمين، لم ينذرهم، فإنه -أي خليفة المسلمين- يدي قتلاهم ويخرج جيوش المسلمين من قريتهم حتى يدخلوا هم مسالمين في دين الله تبارك وتعالى. إذن في ظل هذا التصنيف وهذه الأنواع يمكن لنا أن نفهم التوفيق بين جواز استخدام القتال في الدعوة إلى سبيل الله تبارك وتعالى، ما هي ضوابطه ومتى يباح وما هي أهم أخلاقه وممن يصدر، وبين عدم إكراه الناس في الدخول في هذا الدين.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- مشروعية القتال في نشر الدعوة الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- قتال من رضي بحكم المسلمين دون أن يسلم سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- صحة حديث (أمرت أن أقاتل الناس) فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- مخاطبة البشرية بالإسلام مع تعدد الملل والشرائع سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تكافؤ القوة في جهاد الدفع والطلب مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي