توفي رجل وترك زوجتيه الأولى والثانية، علماً بأنه كان قد هجر زوجته الثانية منذ أكثر من ثلاثين سنة وحتى وفاته، وعنده منهما عدد من الأبناء والبنات وكذلك مجموعة من الأحفاد والأسباط، وقد وُجد أنه قد أوصى بقطعة أرض لحفيدين من أحفاده من ابنه الأكبر من زوجته الأولى، وأعمارهما لا تتعدى اثني عشر عاماً دون غيرهم من بقية الأحفاد والأسباط، علماً بأن قطعة الأرض المذكورة ليست ملكه بالكامل بل تشاركه أخته فيها. سؤالنا يتمثل في الآتي: هل يجوز له أن يوصي بقطعة الأرض المذكورة وهو لا يملكها بالكامل، أم أنه في مثل هذه الحالات يتم تنفيذ الوصية في نصيبه من قطعة الأرض؟ السؤال الثاني: هل يجوز تنفيذ ما أوصى به الرجل أم أن هذا يعتبر ظلماً للآخرين ولا يتم تنفيذه لأنه قد أوصى لبعض أحفاده دون الآخرين فيكون بذلك قد حرمهم من الميراث أو من حقهم؟
الإجابة
السؤال هنا رجل تزوج امرأتين، وهاتان المرأتان قد هجر واحدة منهما مدة من الزمن منذ ثلاثين سنة كما يقول، الرجل قد توفي فوُجد أنه قد أوصى لبعض أحفاده بأرض، هذه الأرض أوصى بها كاملة وهو لا يملكها كاملة، إنما يملك منها جزءاً كما ذُكر في السؤال والجزء الآخر لأخته، فيسألون عن أمرين: الأمر الأول هل هذه الوصية صحيحة لأنه أوصى لبعض أحفاده ولم يوصِ لكل أحفاده، فهل يلزم الإنسان أن يسوي بين أحفاده في العطية أم لا يلزمه ذلك؟ هذا هو الشق الأول من السؤال. الشق الثاني هذه الوصية كونه أوصى بأرض كاملة وهو لا يملك إلا نصفها، فهل هذه الوصية صحيحة أم لا؟ هذا هو ملخص السؤال وهذا الذي يريده السائل. أما التسوية بين الأحفاد في العطية فلا تلزم، الذي يلزم هو أن يسوي بين أولاده، هذا الذي ورد به النص الشرعي. علينا أن نتبين شيئاً، دعونا نبسط القضية حتى نفهمها ونخرج بحكمها. الأصل في الإنسان أنه له أن يتصرف بماله كيفما شاء ما دام هذا التصرف في مباح، له أن يعطي زيداً، له أن يعطي عمراً، له أن يختص سعاداً بأمواله، له أن يهبها كاملة، هذا كله من حقه ولا حرج، هذا هو الأصل العام المتقرر في الشريعة. لكن جاءت الشريعة بأمر في إعطاء الأولاد أنه يلزم الإنسان بأن يسوي بينهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه بشير أبو النعمان بن بشير، وكان قد تزوج امرأة، فالمرأة التي تزوجها لعل لها نفوذاً معيناً، لعله يحبها أكثر من غيرها، فإكراماً لها أراد أن يعطي ابنه النعمان أرضاً، إلا أن هذه المرأة لحصافتها قد يكون قالت له: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله، أي هذه الأرض أنا لن يأخذها ابني حتى يشهد رسول الله، لعلها تريد بذلك الشرف لابنها وأن هذه العطية كانت بشهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب بشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «أكل بنيك أعطيت؟»، أي هل أعطيت كل أولادك؟ وفي رواية: «ألا تريد أن يكونوا لك في البر سواء؟»، الإنسان يتحرك على حسب ما يُحسن إليه، أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم، وهكذا الأب حينما يحسن إلى أولاده فإنه سيستعبد قلوبهم، إذاً «ألا تريد أن يكونوا لك في البر سواء؟»، فقال: بلى يا رسول الله، قال: «إذاً سوِّ بينهم في العطية»، وفي رواية: «لا تشهدني على جور»، أي أن الذي تتصرفه يا بشير هو جور لأنك أعطيت بعضهم دون بعض وأنت ملزم بأن تسوي بين أولادك. فهذا الحديث فيه بيان أن العطية للأولاد لا بد من أن تكون على قدم المساواة، هذه المساواة وتفسيرها ليست مجالنا الآن فلا نشرحها لعل لها مكاناً آخر، المهم أن هذا خاص بالأولاد كما ترون في هذا النص عن النبي صلى الله عليه وسلم. ما بعد الأولاد الأحفاد وغيرهم هؤلاء لم يأتني نص شرعي يلزمني أو يلزم الإنسان أن يسوي بينهم، لذلك يبقى الحكم في غير الأولاد وفي غير الأزواج يبقى الحكم على الإباحة الأصلية، فكونه يريد أن يعطي واحداً من أحفاده أو من غيرهم لا حرج في ذلك بإذن الله تعالى من هذه الناحية، فلا يلزمه أن يسوي بينهم وإن كان ذلك هو الأفضل، إن كانت التسوية هي الأفضل لكنه غير ملزم بهذا الأمر، هذا من حيث صحة الوصية لكونه لم يسوِّ بين الأحفاد. بعد ذلك الوصية أو العطية في الحياة إن أعطى بعض أولاده وتوفي فإن هذه العطية لا تبطل قضاءً، الرجل قد توفي فلذلك العطية التي كانت في الحياة وقبضها بعض الأولاد هذه لا تُنقض قضاءً إلا إن تفاهموا فيما بينهم وتراضوا، أما الأصل فيها فهي ثابتة، إذاً ذلك الحكم دياني أي بينه وبين ربه يأثم، أما من حيث القضاء فلا، القضاء يثبت مثل هذه العطية. الأمر الثاني في السؤال هو أنه أوصى بأرض لا يملك إلا جزءاً منها، فهل الوصية كلها باطلة أم أنها تثبت في الجزء الذي يملكه هو؟ الفتوى على أنها تثبت في الجزء الذي يملكه هو، فما دام أوصى بالأرض كلها وهو لا يملك إلا نصفها فلا يثبت من هذه الوصية إلا النصف فحسب، فيكون للأحفاد هذا النصف الذي أوصى به هذا الزوج. هذا كله أفهمه ما دامت هذه الوصية في حدود الثلث، أما إن كانت أكثر من الثلث فإنها تُرد إلى الثلث، بمعنى لو لم يترك هذا الأب أي ممتلكات أخرى أي تركة غير هذه الأرض، هذا النصف من الأرض، فهل نعطيها كلها للأحفاد؟ لا نعطيهم كلها وإنما نعطيهم ثلثها فقط، المهم أن له أن يوصي في حدود الثلث فقط ما لم يثبته بقية الورثة، والله تعالى أعلم.
المفتي
جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
تفريغ جلسات الإفتاء العامّة للشيخ الدكتور ماجد بن محمد الكندي من يوتيوب، مدقّقةً ومراجَعة.