نود أن نتعرف من سماحتكم على هذا المنهج الذي تتبعه السلطنة في إثبات بدايات الأشهر القمرية. ما هي الدواعي إلى هذا المنهج؟ ما هو هذا المنهج؟ وكيف يفرق بين ما تقرره حقائق علم الفلك حينما تنفي إمكانية الرؤية فترون التعويل على علم الفلك، وحينما يقرر علم الفلك إمكانية الرؤية فإنكم تقولون بالاستئناس عندئذ؟
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإني أحيي جميع المشاهدين والمشاهدات والمستمعين والمستمعات من المسلمين والمسلمات بتحية الإسلام، فالسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته، مع التهنئة بهذه الأيام المباركة، الأيام العشر التي بارك الله سبحانه وتعالى فيها وأقسم بها في كتابه، وجعلها مناط الكثير الكثير من الخيرات، مع انتظار يوم العيد الأكبر ويوم عرفة والمشعر. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع لكل خير، وكل عام والجميع بخير. هذا، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى إنما ناط العبادات بأمور طبيعية يفهمها الكثير من الناس، فنحن نرى أن الله سبحانه وتعالى ناط الصلوات لحالات طبيعية من خلال الحركة الأرضية حول الشمس، فلذلك نجد أن صلاة الفجر مثلاً تكون بظهور الفجر الصادق، وكذلك صلاة الظهر بزوال الشمس، وصلاة العصر ببلوغ ظل كل شيء مقدار ذلك الشيء بعد القدر الذي زاغت عليه الشمس، ثم كذلك صلاة المغرب بغروب الشمس، وصلاة العشاء بغروب الشفق، وهكذا. هذه العبادات نيطت بأمور طبيعية، وكذلك بالنسبة إلى الصيام، وبالنسبة إلى الحج، وبالنسبة إلى الزكاة، وبالنسبة إلى جميع الواجبات فإنها نيطت بأمور طبيعية، نيطت بالحول القمري، فإن الله سبحانه وتعالى جعل القمر تقويماً دقيقاً للأوقات التي ترسم بها العبادات، والأوقات التي من خلالها يتصل الإنسان بربه سبحانه وتعالى في عباداته المختلفة. وهذه العبادات كما قلنا إنما نيطت بأمور طبيعية مفهومة يدركها الكل، أراد الله سبحانه وتعالى بهذا اليسر، ولم يرد بعباده العسر، «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر»، فالعبادات نيطت بأمور يفهمها جميع الناس، يفهمها الأذكياء والأغبياء، والصغار والكبار، والمتعلمون والجهلة، يفهمها الأميون وغيرهم، الكل يفهم هذه الأشياء فلذلك يؤدون هذه العبادة بيقين لأنهم أدركوا مناطاتها، فلذلك يؤدونها في أوقاتها. ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى ناط الصيام والفطر، كما ناط أمر الحج وأمر الزكاة برؤية الهلال، وهذا ما دل عليه الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له»، وفي رواية: «فأكملوا العدة ثلاثين». وكذلك نجد أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان يحرص كل الحرص على أن يكون أداء العبادة بحسب هذا الفهم الذي يسري بين الناس جميعاً، لا يختص به العلماء دون غيرهم، وإنما يتعلق بالكل. بقي هناك أنه قد تلتبس الرؤية في بعض الأحيان على الأعين فيظن الإنسان أنه رأى الهلال وهو في الحقيقة لم يره، فلذلك إذا كان هنالك دليل قاطع، من خلال هذا الدليل يفهم أن الرؤية متعذرة، فإنما يؤخذ بذلك الدليل لرد الشهادة، لا قدحاً في الشاهدين ولا تجريحاً لهم، وإنما ذلك يعود إلى أن هؤلاء التبس عليهم الأمر. وبما أن علم الفلك أصبح الآن حقيقة واقعة لا يشك فيها الناس الذين مارسوا هذا العلم وعرفوه وخبروه، فإن علم الفلك يدل على أن هذه الشهادة شهادة صحيحة واقعة، أو أنها شهادة ليست صحيحة وإنما هي ناشئة عن التباس في الأمر، فلذلك يؤخذ بالفلك في رد الشهادة، بينما يؤخذ بالرؤية في إثبات دخول الشهر وفي إثبات خروجه، يؤخذ بالرؤية لأن الرؤية هي المفهومة عند جميع الناس، يشترك فيها الجميع، يشترك فيها الصغير والكبير، والرجل والمرأة، والجاهل والمتعلم، الكل يشتركون في ذلك فلذلك يعول على الرؤية في دخول الشهر، ويعول على الفلك في تقويم الشهادة وبيان صحتها وعدم صحتها.
المفتي
فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رصيدٌ ضَخْمٌ يَشْغَلُ الحَيِّز الأكبر من نتاج الشيخ.
وقد اشتغل الشيخ بالإفتاء منذ وصوله إلى عُمَانَ في العقد التاسع من القرن الهجري المنصرم، قبل تعيينه رَسْمِيًّا مُفْتِيًا عامًا للسلطنة سنة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م عقب وفاة شيخه إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق. وقد تَأَخَّرَ العَمَلُ في إعداد الفتاوى للنشر، وظلت مبعثرة مشتتة يتداولها الناس بالنسخ والتصوير فترة من الزمن، حتى قيض الله من يجمعها ويرتبها.