يقول بعض المجتهدين والأبحاث الحديثة بقصة يأجوج ومأجوج بأن ذي القرنين لم يردم عليهم سداً في الأرض، إنما هو سد بين عالمين مختلفين غير أرضنا هذه، وتشير إلى كتاب ألفه أحد الباحثين واسمه أحمد منصور. تقول: وكان دليلهم كلمة «سببا» حيث تعني السبيل في السماء، يقول الباحث إن ذي القرنين اتخذ سبباً في السماء أي طريقاً إلى عالم آخر وهو تمكين الله، وقال تعالى أيضاً وفي قوله تعالى في وصوله إلى مغرب الشمس حيث إن في كل آيات القرآن الكريم كلمة البلوغ تعني بها الزمن وليس المكان، وهذه دلالة أخرى. هل يتفق [هذا التفسير] مع كل ما ذكرتموه من شروط [التفسير]؟
الإجابة
لا يتفق أبداً، يعني من خلال السؤال ذكرت السائلة أن من ضمن ما ذكره أن البلوغ في القرآن الكريم إنما هو لبلوغ غاية زمنية، يعني أصغر متعلم للكتاب العزيز يقرأ قول الله تبارك وتعالى: «هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ»، فهل بلوغ الكعبة هنا بلوغ لزمان؟ وهذا التأويل الباطني البعيد المتعذر أن شخصية ذي القرنين تربط بين عالمين، ماذا قال؟ عالم الأرض وعالم السماء؟ لا، هذه عوالم متخيلة متوهمة في ذهن هذا الذي قال هذا الكلام، وإلا فإن السياق، يعني لو أردنا إعمال ما تحدثنا عنه سابقاً، فإن السياق القرآني يتحدث عن شخصية بشرية أوتيت من القوى والسلطة والملكات ما سخرته في نصرة الحق والعدالة ومناصرة المظلومين بحيث استحق الثناء من الله تبارك وتعالى، فرفع الظلم عن المظلومين وأكرم المحسنين وسعى في الأرض عدلاً وبسط فيها الحق. هذه شخصيته، وتعامل مع أناس هم من البشر من بني البشر. وكلمة «سبب» في القرآن الكريم تأتي ويراد بها الوسيلة والواسطة، فالسبب الذي يتخذه الإنسان إنما هو الوسيلة التي يستعين بها ليصل إلى مبتغاه، فهناك أسباب هيأها الله تبارك «آتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا» أي هناك مما وهبه الله تبارك وتعالى إياه، «فَأَتْبَعَ سَبَبًا» أي أنه أضاف إلى ما آتاه الله عز وجل من مواهب وملكات أضاف اجتهاداً من عنده وتحرياً وتتبعاً للوسائل والوسائط والأسباب التي أفضت به إلى تحقيق مقاصده. فهذه الأوهام أنه يصل بين عالمين لا أساس له، لا يحتملها، لا تحتملها لغة قصة ذي القرنين في كتاب الله عز وجل، ولا شاهد لها لا من عقل ولا من نقل، أي هذا التفسير. وما نجده في كتاب الله عز وجل متسق متناسب منتظم سهل المأخذ قريب المعنى إلى النفوس كما تقدم، هي شخصية حقيقية أوتيت ملكاً وسلطة وقوة، ولكنها شخصية مؤمنة عادلة تناصر الحق والعدل وتنشر الفضائل في هذه الأرض، ولذلك ورد ذكره في هذه السياقات في كل المواقف التي شهد له بها القرآن الكريم وأعطى القرآن إشارات تلميحات لشخصيته وللأماكن التي كان فيها وللشعوب والقبائل التي تعامل معها، لأنها ليست مقصودة بالذات من القصة، إنما كان المقصود إثبات صدق رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بإطلاع الله تبارك وتعالى له لهذه القصة، وهي قصة غريبة لا يعرفها قومه ولا يمكن أن تتحصل لديه لدى الطاعنين المشككين الذين أرادوا امتحانه في صدق ما يدعيه من أمر النبوة بسؤاله عن ذي القرنين، فجاء الجواب وحياً من عند الله تبارك وتعالى بما هو غير معهود لدى قومه، فالمقصود هو إثبات صدق هذه النبوة، ثم المقصود من قصته أيضاً بيان نصرة الله تبارك وتعالى لعباده الأتقياء المؤمنين وإعلاء شأن الحق والعدل في أي أمة من الأمم كانت وفي أي وقت من الأوقات، هذه هي مقاصد القصة أو سيرة ذي القرنين في كتاب الله عز وجل بالإضافة إلى مقاصد أخرى.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.