تكرار المعصية والتوبة بعد رمضان

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الأخلاق 2026-11-06

السؤال

بعض الناس يقبلون على الله في عبادتهم ويجتهدون بصنوف الطاعات، لكن تمر عليهم بعض الأحيان لحظات ضعف فيقعون في بعض المعاصي فيتوبون ويرجعون إلى ربهم وإلى عبادتهم، ثم يتكرر منهم ذلك فعل المعصية ثم الإنابة والتوبة، لا سيما في رمضان فالنفوس تتعلق بالإيمان وتقترب من الله، ثم بعد رمضان تضعف شيئاً فشيئاً، لكن ما يميز هؤلاء أنهم رغم تكرر المعصية منهم يبادرون إلى التوبة، فما القول في ذلك أو ما التوجيه لهؤلاء؟

الإجابة

الإنسان مخلوق ضعيف، وربنا سبحانه وتعالى خلقنا جميعاً على هذا الحال، وربنا الذي خلقنا على هذا الحال وهو العالم بطبائعنا هو الذي فتح باب التوبة، هو الذي بين لنا سبحانه وتعالى أنه يقبل التوبة من عباده، أي أنه يبين حقيقة من الحقائق أن التوبة حينما تصح من عبده فربنا سبحانه وتعالى يقبلها، وهذا القبول ينبئ عن أن هناك ضعفاً عند الإنسان يجعله بسبب جهل أو بسبب غفلة في بعض الأحيان أو بسبب هوى نفس يجعله يقبل أو يقدم على معصية الله سبحانه وتعالى. والواقع أننا لا بد من أن نقصر في حق الله سبحانه وتعالى مهما كان الأمر، فعظم نعم الله سبحانه وتعالى علينا التي هي من أعلى رؤوسنا إلى أخمص أقدامنا، والتي نسبح في بحار نعمة الله سبحانه وتعالى لو أمضينا حياتنا كلها لأجل شكره وحمده لما قمنا بذلك، ولقصرنا على أننا لن نحمد الله تعالى ولن نعبده ولن نشكره إلا بالجوارح التي سخرها سبحانه وتعالى لنا حتى نعبده بها. إذاً أنت الآن أعطيت النعمة وأعطيت أدوات شكرها، فمتى سيقوم الإنسان بشكر نعمة الله تعالى؟ فرحمة الله سبحانه وتعالى وسعت كل شيء، لكن هذه الرحمة التي وسعت كل شيء ربنا سبحانه وتعالى يكتبها للذين اتقوا وللذين يتوبون، فأمرنا بالتوبة "توبوا إلى الله توبة نصوحاً"، أمرنا سبحانه وتعالى بالتوبة، وهذا الأمر ينبئ على أن هناك نقصاً تقصيراً، على أن هناك شيطاناً تعهد أمام رب العزة والجلال وقال "ولأضلنهم ولأمنينهم"، هذا بقسم بالله سبحانه يقسم أمام الله تعالى بذلك أنه سيضلنا وسيمنينا وسيحملنا على أن نغير خلق الله إلى آخر ما تعهد به الشيطان الرجيم، لكن مع ذلك كله الإنسان الحي يعلم أن هذه الغفلة أن هذا الفتور قد يأتيه لأحيان وهو خارج عن إرادته، فلا بد من أن يرجع إلى ذكر الله سبحانه وتعالى، لا بد من أن ينتشل نفسه من هذه الغفلة، لا أن يبقى فيها، البقاء في الغفلة معناه عياذاً بالله تعالى التعرض لغضب الله سبحانه وتعالى ولعذابه ولجهنم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا من ذلك كله. الحق يقال إن الإنسان يلزمه أن يحيط نفسه ببعض الأسوار التي تحفظه مقيماً على الالتزام وطاعة الله تعالى، هذا الأمر الأول، ثم إنه بعد ذلك عليه أن يجعل لنفسه من المذكرات بالله سبحانه ما يرده إلى طاعة الله سبحانه وتعالى حينما يقع في المعصية، الذي لا يحيط نفسه بهذا فإنه لا يبقى. علماؤنا الأخلاق وعلماؤنا التزكية يقولون إن هناك طرقاً لا بد من أن يسلكها الإنسان حتى يحفظ نفسه من الانزلاق في مزالق الشيطان، أولها قالوا لا بد من أن تكون هنالك معاهدة بين الإنسان يذكر فيها نفسه ويعاهد ربه أنه سيقيم على طاعة الله، فيذكر نفسه بالله سواء أكان هذا التذكير بقراءة كتاب الله تعالى أو سير السلف الصالحين المتقين الأخيار، أو بزيارة القبور أو بزيارة المرضى مما يذكر الإنسان بربه، وهذا كله من باب المعاهدة. ثم إنه بعد المعاهدة عليه أن يكون دائم المراقبة لنفسه، أن يراقبها في أعمالها، هل هذه النفس مقيمة على طاعة الله تعالى؟ وأن يستصحب نظر الله سبحانه وتعالى إليه في كل أحواله، وذلكم كله سيحمله على أن يبتعد على أن لا يجعل الله سبحانه وتعالى أحقر الناظرين إليه، ومن هنا فإن أغلق على نفسه الأبواب أو غير ذلك علم أن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه في ذلك الحال، وأن الله تعالى يعلم ما تكنه نفسه ويخفيه ضميره، فمن هنا سيراقب الله تعالى. إذاً المعاهدة ثم المراقبة، ثم بعد ذلك لا بد لكل واحد منا مع المعاهدة والمراقبة أن لا يترك نفسه بعد ذلك في المعاصي حينما ترتكب نفسه معصية من المعاصي، بل عليه أن يعاقب نفسه بنقيض مقصودها، هنالك قال أبو مسلم رحمه الله تعالى في النفس في المراقبة يقول:
تلفّت لها من حيث ولّت وأقبلت .. فإن لها كيداً وإن هي أجملت
عليك بها انحرها وإن هي ولولت
إذاً لا بد من المراقبة ثم المعاقبة، كما يقول الإمام رحمة الله عليه في خاتمة المدارج يقول:
فإن أبت عاقبها بالصوم .. وترك ما تهواه مثل النوم
وطلب العون على تذليلها .. فإنما الهلاك في تجليلها
إذاً لا بد من أن يعاقبها، هنا نفسه ارتكبت المعصية هل سيبقى الإنسان معها، يعطيها ما تشاء، يعطيها ما تريد، لا لا يجوز ذلك. هؤلاء الذين يقولون إنهم قد يعصون الله تعالى، أقول لهم مع الحرص على هذه المراحل في التعامل مع النفس: المعاهدة، والمراقبة، والمعاقبة، مع الحرص على هذه كلها لا بد عليكم من أن تتوبوا إلى الله تعالى. رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الصحابة إنهم كانوا يجدونه يستغفر الله سبحانه وتعالى في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة، وفي رواية أكثر من مئة مرة يستغفر الله تعالى في المجلس الواحد، إذن نرجع، نتوب، ونفوسنا لا نتركها للهوى. كلكم تعلمون قصة سواد بن غزية رضي الله تعالى عنه يوم معركة بدر، الرسول صلى الله عليه وسلم يصف المحاربين، يصفهم هكذا يريد من كتائب الإيمان وجحافل التقوى أن يكونوا سداً منيعاً في مقابل المشركين، فهو يصفهم، أصاب صلى الله عليه وسلم بطن سواد بن غزية رضي الله تعالى عنه، وكان بطنه ناتئاً ظاهراً، أراده أن يصف مع أصحابه فأصابه في بطنه، فقال سواد بن غزية: آذيتني يا رسول الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم ماذا يكون منه وهو الرحمة المهداة؟ كشف عن بطنه وقال له: استقد، استقد أي خذ القود، أي الآن خذ القصاص كما آذيتك آذني يا سواد. فما قام وما كان من هذا الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه وأرضاه إلا أن ذهب وقبل بطن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يسأله عن ذلك: ما الذي حملك على هذا؟ فقال له: يا رسول الله، إنه قد أقبل ما ترى، وإني لا أعلم أأكون حياً أم أستشهد، وإني أريد أن يكون آخر ما يلمسه جسدي جسدك الشريف يا رسول الله. الآن مع غض الطرف عما في عن حب سواد بن غزية رضي الله تعالى عنه، نحن نتكلم الآن عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه وإن ظهر مثل هذا لو قلنا إنه خطأ مثلاً، إذن لا بد من أن أتراجع أنا، لا بد من أن أتوب إلى الله تعالى، وألا أترك نفسي فريسة سهلة للشيطان الرجيم، لذلك أنصح نفسي وأنصحكم جميعاً أنه علينا أن نحيط أنفسنا بما يحفظ صلاحنا والتزامنا، وفي الوقت ذاته إن وقعنا في المعصية فإننا نسارع إلى الله تعالى على رغم أنف الشيطان سيغفر الله تعالى لنا إن كانت توبتنا نصوحاً بإذن الله سبحانه وتعالى، والذي يلقي في النفوس اليأس من التوبة أو من الرجوع إلى الله تعالى هو الشيطان الرجيم الذي يريد أن يستكثر بنا في نار جهنم عياذاً بالله سبحانه وتعالى من ذلك. كما أن على الإنسان في مثل هذا السياق أن يحيط نفسه بالصالحين الذين يذكرونه إذا نسي، الذين يذكرونه وينبهونه إذا غفل، هؤلاء لا بد منهم في الحياة، لن تستطيع أن تواجه الشيطان الرجيم، أن تواجه شياطين الإنس وشياطين الجن إن كنت مفرداً بنفسك، بل ستكون قوياً حينما تكون وسط لفيف من الصالحين يأخذون بيديك بإذن الله تعالى نحو طاعة الله تعالى، يذكرونك وينبهونك، ولذلك أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وقال له: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن إياك وشياطين الإنس، إياك ودواعي المعاصي، بل احرص على هؤلاء الصالحين، وإن لم تكن طبيعتك مثل طبيعتهم فتحمل هذا لأن النتيجة أو لأن المقابل هو جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، أو أن يكون عياذاً بالله تعالى حينما لا تتحمل مثل هذه مثل هذا التخالف في الطبائع سيكون والعياذ بالله تعالى الفارق بينك وبينهم ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى، نسأل الله تعالى أن يجيرنا من نار جهنم وأن يباعدنا عنها إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم.

المفتي

جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي

تفريغ جلسات الإفتاء العامّة للشيخ الدكتور ماجد بن محمد الكندي من يوتيوب، مدقّقةً ومراجَعة.

📺 شاهد الفتوى

تكرار المعصية والتوبة بعد رمضان
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي