دلالة خوف موسى عليه السلام في القرآن

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-11-06

السؤال

ما الدلالة النفسية لتكرار الخوف عند النبي موسى عليه السلام وتكراره في مواقف ومشاهد متفرقة؟ وكيف نوفّق بين هذا التكرار وقوله تعالى: {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ}؟

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علّمنا ما لم نعلم وفهّمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فالذي يظهر لي أن طائفةً من المعاصرين من الكتّاب المعاصرين بالغوا في وصف هذا الجانب من قصة موسى عليه السلام، وحاولوا استخراج ما يرونه من نتائج واستنباطات لكنهم أبعدوا النجعة. ولا أريد أن أخوض فيما يقولون وإنما الذي ينبغي لنا أن ننتبه إليه في مثل هذه المسائل هو أن نتحرّى هل كلام القائلين صحيح؟ هل ما ينسبونه إلى الأنبياء والرسل أو ما ينسبونه إلى الشريعة صحيح قبل أن نجيب عنه؟ وهل هو في محله وموضعه في علوم هذه الشريعة أو أنه مبالغٌ في تناوله؟ وظني أن هذه المسألة، مسألة ما ذكره لنا ربنا تبارك وتعالى من الحالات التي عرض لنا فيها خوف موسى عليه السلام هي مما بالغ فيها هؤلاء المعاصرون وذكروا أحوالاً هي من الأحوال العادية. نحن لا نجد في كتاب الله عز وجل -وهذا هو الجواب الآن- من الأحوال التي خاف فيها سيدنا موسى عليه السلام إلا في موضعين: الموضع الأول حينما قتل خطأً القبطي، ترتب عن ذلك أنه أصبح خائفاً يترقب لأنه خائفٌ من مما يمكن أن يكون من جراء ما فعله من بطش فرعون وآل فرعون به، وأنه لن يُسمع له قول وأنه كان يترصد به أصلاً، حتى جاءه رجلٌ من أقصى المدينة يسعى يحذره {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ}، وكان هذا قبل أن يُنبّأ موسى عليه السلام، فالقرآن الكريم يظهر لنا هذا الجانب البشري في شخصية موسى عليه السلام، ولذلك {فَأَصْبَحَ فِيهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ}. أما ما ذكروه عما حصل له حينما وصل إلى مدين فإننا لا نجد فيه الخوف، يعني بالغوا هذا لما ذكرت في إيواء صاحب مدين لموسى عليه السلام بعد أن قصّ له ما حصل له وقصّ له القصص، فإنه قال {نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، فليس هناك هذا التكلف في إظهار أن موسى كان خائفاً، كل ما كان هو يعني هرب طلباً للنجاة ووصل إلى أرض مدين ووصل إلى الموضع الذي فيه المورد وتوجه إلى ربه بعد أن سقى للمرأتين قائلاً {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.

الموضع الآخر هو لما رأى الحية تسعى، {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى}، يعني عفواً خاف مما رآه، {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى} لما ألقى سحرة فرعون حبالهم وعصيهم، هنا هذا مما تناولها علماء السلف والمفسرون أن المقصود من ذلك أنه خاف أن يُفتن بنو إسرائيل بما رأوه من عظيم ما أتى به السحرة قبل أن يلقي هو عصاه فتلقف ما يأفكون، فلم يكن خوفه على نفسه أو أنه خاف على دين الله تبارك وتعالى وإنما هو من باب الخوف على الدعوة إلى الحق ومن تأثر المدعوين بما أتى به هؤلاء السحرة. أما في أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى حينما ناداه في الوادي المقدس ورأى ما رأى من الآيات التي سيكرمه الله تبارك وتعالى به لتبليغ دين الله عز وجل، فإنه نعم في أول الأمر أيضاً خاف لما رأى أن عصاه تنقلب إلى حية وإلى ثعبانٍ مبين لأن ذلك لم يكن معهوداً، ولم يكشف له ربه تبارك وتعالى كل ما كُلّف به من أمر الرسالة بعد حتى أراه هذه الآيات، هناك قال له {أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ} {إِنَّهُ لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ}، ففي هذا السياق قال له ربه تبارك وتعالى إن المرسلين لا يخافون من هذه الآيات لأنها آياتٌ لنصرتهم وتأييدهم ولتأييد دعوتهم وتثبيتهم. لا نجد غير ذلك في كتاب الله عز وجل كل ما تعلق بخوف موسى كان متصلاً بهاتين الحادثتين، لكن في دعوته لفرعون في مخاطبته لفرعون سنجد ثبات نفس ورباطة جأش وقوة حجة ونجد استعلاءً لا نجد ضعفاً أو خوفاً مما يحاول أن يبينه بعض هؤلاء الكتبة الآن بأن فرعون لأنه كان مستعلياً في الأرض وكان طاغيةً ظالماً وأن موسى عليه السلام كان يخاف منه، هذا غير صحيحٍ أبداً، هذا بعيدٌ جداً وهو غير صحيح، وكل ما نجده من حوارات في كتاب الله عز وجل في مخاطبة موسى لفرعون نجد فيها قوةً وشجاعةً ونجد فيها ثباتاً واستعلاءً بالحق ودعوةً ليس فيها أي ضعفٍ أو تردد ونجد فيها رداً على ما طرحه فرعون وما أثاره من شبهات وكان ذلك بأقوى بيانٍ وأظهر برهان، فلا حاجة إلى أن نخرج بالقصة عن لتكلف ما لا تحتمله والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

دلالة خوف موسى عليه السلام في القرآن
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي