حكم الوقف المؤقت وصوره المعاصرة

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الوقف 2026-11-07

السؤال

يسأل عما ذهب إليه جمهور العلماء ومنهم أصحابنا من عدم جواز الوقف المؤقت، وما نجده اليوم من ابتكاراتٍ جديدة في عالم الوقف حتى يكاد أن جمهور علماء الشريعة المعاصرين يذهبون لجواز الوقف المؤقت معتمدين على قول المالكية، فما هو رأي فضيلتكم مثلاً في وقف غرفة تنويم بمستشفى لمدة عشر سنوات خاصة للفقراء وأصحاب الحاجة، إما أن يرقدوا فيها أو تؤجر لغيرهم والثمن يذهب لعلاجهم، أو وقف 1% من أرباح شركةٍ ما للفقراء والمساكين لخمس سنوات، فهل يقال بجواز ذلك أم في الشريعة الإسلامية عقودٌ أخرى كالهبة والهدية والعارية يمكن أن تطبق هنا من غير الحاجة للقول بالوقف المؤقت؟

الإجابة

الجواب أولاً مرةً أخرى في السؤال قدرٌ من التعميم، فيما يتعلق بأصنافٍ من الوقف المؤقت هذه وجدت في عموم تراث المذاهب الإسلامية وسأذكر أمثلةً لها، كما أنه أيضاً هناك قدرٌ من المبالغة في نسبة القول بجواز الوقف المؤقت عند جماهير العلماء المعاصرين، أيضاً لم يستقر القول لدى جمهور العلماء المعاصرين بإجازة الوقف المؤقت. الآن لنبين فقه المسألة، الأصل في الوقف الديمومة، لأنه كما ورد في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو تحبيسٌ للأصل وتسبيلٌ للريع أو المنفعة، إذاً الأصل في الوقف أنه يراد منه الديمومة والبقاء، ولذلك هو من أظهر الصدقات الجارية. وبحبس الأصل ينتفي ملك المالك الواقف، فيصبح بالتعبير المجازي ملكاً لله تبارك وتعالى، لا يوهب ولا يتصرف فيه تصرفاً ناقلاً للملكية إلا لضرورة ووفقاً لأحكامٍ شرعية. هذا هو الأصل في الوقف، ومفهوم التوقيت في الوقف يتعارض مع هذا المفهوم، يتعارض مع حقيقة الوقف، وهذا هو سبب تحفظ كثيرٍ من الفقهاء من المتقدمين ومن المتأخرين على التوقيت في الوقف، لأنه بمجرد حبس الأصل ينتفي حق الواقف في التصرف في العين طالما ثبتت الوقفية، يصبح ملكاً لله تبارك وتعالى، له أن يختار ناظراً أو وكيلاً يشرف على صرف الريع إلى الجهة الموقوف عليها، ولذلك وضعوا شرطاً آخر وهو أن تكون الجهة الموقوف عليها جهةً تتسم بالديمومة، فإذا انقطعت آلت إلى جهةٍ أخرى توصف أيضاً بأنها دائمة غير منقطعة. لكن وجد في تراثنا الإسلامي في كل المذاهب الإسلامية ترخيصٌ في أنواعٍ من الأوقاف، كوقف المصحف الشريف ووقف الحيوان، هذه صورٌ وجدت في كل المذاهب الإسلامية مع أن الحيوان يهلك والمصاحف أيضاً تتلف وتفنى، ولكننا نجد أن جماهير العلماء، إن لم يكن هناك اتفاق فلا أقل من القول بأن جماهير العلماء أجازوا وقف المصاحف ووقف الحيوان، الجماهير منهم. وجعلوا هذه الرخصة خاصةً بالمنقولات التي من استخدامها، من استعمالها منافع، وإن كانت لا تتسم هذه المنقولات بديمومة البقاء. نعم، فالحيوان كما تقدّم يهلك، لكن المنفعة إنما هي في ركوبه والانتفاع منه مدة حياته. وكذا الحال بالنسبة للمصاحف. فالأصل في الوقف بناءً على التعريف المتقدّم هو أن يوجد أصل، لا أن يكون من المنقولات، لأن طبيعة المنقولات أنها تفنى وتهلك. لكن رخصوا فيما كان من المنقولات كانت له منفعة يمكن الاستفادة منها وإن كان قابلاً للفناء والهلاك. الآن الوقف المؤقت بالصور المعاصرة، من الفقهاء من يقيس هذا التوقيت في الوقف على هذه الأنواع من وقف المنقولات كوقف المصاحف ووقف الحيوان، ووُجد أيضاً من الصور التي حتى صدر بها قرار من مجمع الفقه الإسلامي وقف النقود، أن تخصص مبالغ نقدية وتجعل وقفاً يعني يقترض منها المحتاج، يعان بها على سبيل القرض الفقير والمسكين. نعم، هذه وجوه مع أن النقود تتغير قيمتها الشرائية ويمكن أن يستبدل بها ويمكن أن تفنى إلى آخره، لا تتسم بالديمومة. إذاً من الفقهاء من انقسم هنا الفقهاء حول التوقيت في الوقف في صوره المعاصرة إلى قولين: القول الأول يرى المنع لتعارض فكرة أصل التوقيت مع أصل الديمومة في الوقف. ورأوا بأن من الصور التي استند إليها القائلون بالجواز صورة العُمرى الواردة في حديث جابر بن عبد الله عند الإمام الربيع وعند الإمام مالك وعند الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من عُمّر له عُمرى له ولعقبه فهي لمن يعطى إياها أبداً» كما هي رواية الإمام الربيع. فالخلاف في العُمرى والتي تعني الهبة مدة حياة المعطي أو مدة حياة المعطى له ولعقبه من بعده، أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تكون هبة فتنتقل لمن يعطى إياها أبداً. تنتقل من المالك الأول لها مع أنه قيّد قال: «له ولعقبه من بعده» في الإعطاء، في التمليك، اشترط أن تكون له ولعقبه من بعده، فرسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها لمن يعطى إياها أبداً. مسألة العُمرى وأن يقاس عليها لا تصلح للاستشهاد نظراً للخلاف الدائر في تعريفها وفي صفتها، هل هي تمليك للعين للرقبة أو تمليك للمنفعة فقط؟ وإجازة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها إنما كانت على سبيل التمليك. ومن الفقهاء من يرى أن هذا التمليك الذي نص عليه حديث جابر بن عبد الله إنما هو في الحالة المذكورة في الصيغة نفسها «له ولعقبه»، فإن لم تكن كذلك فهي لمن ملكها أولاً، أي إن لم يذكر أنها لعقبه من بعده أو لولده من بعده فله أن يستردها. هذا الخلاف في مسألة العُمرى وهي ليست محل الآن البحث، وإنما لبيان أنه نظراً لتوارد الاحتمالات على صورة العُمرى والرقبى أيضاً فإنها لا تصلح للقياس عليها فيما يتعلق بتوقيت الوقف. ولذلك ردوا على القائلين بجواز الوقف قياساً على جواز الاشتراط في العُمرى بأن هذا الدليل عليهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها على التأبيد لمن أعطيت له. إذاً لدينا الآن القول بعدم جواز التوقيت، أنه مخالف لأصل الوقف، وأن القياس على العُمرى لا يصح في هذا الباب. ويُفهم منه قول من رأى جواز التوقيت، ورأوا أن هذا يشبه سائر التصرفات التي يصح فيها الاشتراط إلا شرطاً يحل حراماً أو يحرم حلالاً، وهم رأوا أن هذا الشرط لا يحرم حلالاً ولا يحل حراماً، وما رأوا مانعاً منه، وقاسوا على وقف الحيوان وبعض المنقولات. والخلاصة، كما قاسوا أيضاً على مسألة العُمرى والرقبى. الخلاصة أن المسألة تحتمل الاجتهاد، وأن التجديد في صور الأوقاف يمكن أن يمتد في واقعنا المعاصر ليشمل صوراً حديثة جديدة، لكن لا يلزم -وقد أشار السائل مشكوراً لهذه القضية- لا يلزم أن يصدق عليها أنها وقف وأن تجرى عليها أحكام الأوقاف، وإنما يمكن أن تكون بصور الهبة أو صور العارية أو صور الصدقة أو صور الاستثمار أو التثمير، يعني هناك أنواع من التصرفات يمكن أن تستوعبها. فإن كان لا مناص من إضفاء الصفة الوقفية فلننظر في الصور التي أقرها جماهير فقهاء الإسلام من وقف الحيوان أو وقف المصحف، هنا هذه الصور هلاك الأعيان الموقوفة إنما هو هلاك طبيعي، ليس بتوقيت من الواقف. فما كان شبيهاً بها فلا مانع منه. لنفترض أن محسناً أراد وقف لجهاز لفحص القلب على سبيل المثال أو لغسيل الكلى، من المعلوم أن هذا الجهاز لا يمكن أن يبقى على التأبيد والديمومة، سيتلف ويفنى ويمكن أن تكتشف أجهزة أخرى أفضل منه وأدق وأحسن، فهنا هذه الصورة لا مانع من الوقف فيها لأنها شبيهة، فالهلاك الذي ورد على هذه العين الموقوفة هو هلاك طبيعي وليس هو باشتراط من الواقف. أيضاً ما كان على سبيل التكرر، على سبيل المثال أوجدوا الآن من صيغ الوقف أن يجعل الإنسان إذا كان متخصصاً في مجال من المجالات من وقته وقفاً، فيخصص على سبيل المثال إذا كان طبيباً فيخصص خمس ساعات في الأسبوع لعلاج الفقراء والمساكين، أو يتبرع بهذا الوقت خمس ساعات في الأسبوع أو خمس ساعات في الشهر للعلاج في المركز الفلاني مجاناً، وقف للوقت. ومن المعلوم أنه لن يبقى هو حياً إلا لما قدّره الله تبارك وتعالى له من عمر، ثم إن قدرته واستطاعته على الأداء أيضاً غير مضمونة قد يطرأ عليه أي طارئ يمنعه من ذلك، لكنهم أجازوا مثل هذه الصور توسعة للناس ومراعاة لاحتياجات الفقراء والمساكين ووجوه البر والخير في المجتمعات فرخصوا فيها. ولذلك قلت بأن الاجتهاد الفقهي يتسع لمثل هذه الصور حتى وإن سميت بأنها أوقاف مؤقتة.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

حكم الوقف المؤقت وصوره المعاصرة
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي