الرد على دعوى تأخر تدوين السنة

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

السؤال

تدوولت في الآونة الأخيرة رسالة تطعن في السنة النبوية الشريفة وأنها دُونت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من مئتي سنة، وأن الذين دونوها ليسوا عرباً في الأصل إنما جاءوا من بلدانٍ كثيرة أو من بلدانٍ بعيدة. وقام هذا الشخص -وطبعاً هذه الرسالة وصلتني كثيراً عن طريق شبكة المعلومات أو الواتساب- قام بوضع مجموعة حسابية جداً تبين سنة ولادة البخاري ووفاته ومسلم ووفاته والنسائي وهكذا، وخلص في نهاية المطاف إلى أن هؤلاء لا يمكن بهذا الحساب أن يدونوا كل هذا العدد من الأحاديث، وأن ذلك ربما كان لهدف إبعاد الناس عن القرآن الكريم.

الإجابة

أولاً لم يبتعد الناس عن القرآن الكريم، بل كانوا متمسكين شديدي التمسك بكتاب الله عز وجل، ولم يحصل فيهم أنهم خلطوا بين آيات الكتاب العزيز وبين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة الثابتة. فدعوى الدفاع أو دعوى نفي تدوين السنة بأن المقصود إنما كان إبعاد الناس عن كتاب الله عز وجل دعوى مردودة، غير صحيحة أبداً، لا تستند إلى أي دليل لا من واقعٍ ولا من تاريخٍ ولا من عقلٍ ولا من علم. وأما التدوين نفسه فالصحيح أنه بدأ في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. نعم نهى عليه الصلاة والسلام بعض أصحابه في مناسبات عن أن يكتبوا عنه غير القرآن الكريم، ونحن نعلم أن كتابة القرآن الكريم كانت بإشرافه عليه الصلاة والسلام، هو الذي اختار كتبة الوحي وهو الذي كان يشرف عليهم، وما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا والقرآن مكتوب. لكن جماهير المسلمين في حياته عليه الصلاة والسلام وبعد مماته كانوا يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب ويرونه أجيالهم جيلاً بعد جيل، وكذا الحال بالنسبة لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فإنه مع ثبوت -وهذه مسألة يجب أن ننتبه لها- أن التدوين ابتدأ في مجموعات منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم دون طائفة من أصحابه أيضاً بعد وفاته، وهذا ثابت عن الإمام علي بن أبي طالب وثابت عن أبي هريرة وثابت عن بعض كبار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وعن ابن عباس أنهم كانوا يدونون وأن لديهم ما كانوا قد دونوا فيه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لكننا نعلم أن رواية العرب لآدابهم ولعلومهم إنما كانت شفاهاً عن ظهر قلب، فأين هي هذه المجاميع التي دونت فيها دواوين شعرهم وآدابهم نظماً ونثراً؟ لا وجود لها إلا بعد قرونٍ متطاولة، فلمَ لا يشكك هؤلاء في الأدب العربي في ما كان منه من العهد الجاهلي أو كان في صدر الإسلام أو ما كان بعد ذلك إلى أن جاء تأليف هذه الدواوين وجمعها وكتابتها على النحو الذي نُقلت منه فيما بعد؟ أيضاً هناك من اشتغل بالكتابة في مرحلة مبكرة في بدايات القرن الثاني الهجري كالإمام الربيع بن حبيب، ومبتدأ تأليفه في أواخر القرن الأول الهجري وبدايات القرن الثاني الهجري، إذ أغلب روايات المسند تنتسب إلى فترة زمنية تعود إلى ما قبل مئة وعشرين هجرية، إذا توسعنا قليلاً إلى ما قبل مئة وثلاثين هجرية. والإمام الربيع بن حبيب ينقل عن مدونات للإمام جابر بن زيد الذي هو أعلى منه مرتبة وأقرب إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه التقى سبعين بدرياً، فكان ممن التقى بهم سبعون بدرياً وأخذ عنهم العلم، ومعروفٌ مشهور أن الإمام جابر بن زيد دون كتب. أما أن يقال أين ما كتبه وأين هذه المخطوطات فهذه مسألة أخرى، لكن أن يثبت المؤرخون والعلماء وعلماء الحديث أن هناك مدونات تنتسب إلى وقت مبكر، وكذا الحال بالنسبة إلى الربيع بن صبيح وجملة من المسانيد التي كتبت في وقت مبكر، والإمام مالك بعد ذلك، هناك ما هو مكتوب مدون في وقت مبكر. على أن الرواية هؤلاء الذين ذكرهم المعترض صرحوا أنهم تتبعوا هذه الروايات من رواتها، فأخذوها منهم شفاهاً راوياً عن راوٍ عن راوٍ عن راوٍ إلى أن اتصل سندها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا معنى الرواية. فهم يتتبعون هذه الأحاديث روايةً رواية، راوياً راوياً، حتى يسندوها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثبوت شروطهم في سلسلة السند الذي وضعوه كلٌ بحسب شروطه، فللإمام البخاري شروط وللإمام مسلم شروط ولغيرهم من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد شروط، فكل راويةٍ منهم كل جامعٍ يضع شروطاً يفحص بها الروايات التي يتلقاها، يفحص بها الرواة جرحاً وتعديلاً ويضبط بها السند سماعاً كتابةً تلقياً، وبلغوا في ذلك دقةً متناهية، ولذلك فإن هذا العلم هو من خصائص العلوم في هذه الأمة. ولذلك فهذه الدعوى لا أساس لها، هذا إجمال ما يُرد به على هذا الاعتراض، ويمكن أن نفصل في وقتٍ آخر إن شاء الله تعالى.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

الرد على دعوى تأخر تدوين السنة
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي