عندما نعود إلى مفهوم الخيرية، نجد أن استغلالاً آخر عند البعض لهذا اللقب وهذا الشرف العظيم، يتمثل في التعالي على الآخرين، سواء كانوا المنحرفين في داخل المنهج أو الذين خرجوا عن المنهج أساساً، وبالتالي يسوغ له هذا التعالي على الآخر بأن يحكم بأن هذا في النار وأن ذلك في العذاب وأن ذلك مرتد وأن ذلك مبتدع وغيرها من الألفاظ التي كثيراً ما نسمعها في الأدبيات الإسلامية المعاصرة، وبالتالي هذا يدفعه إلى أن ينظر إلى الآيات التي قيلت في أهل الكتاب، وأنتم الآن ركزتم على هذا الموضوع جيداً، لا تعنيه بالخطاب، كقوله تعالى: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء}، وقوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}، {ونحن أبناء الله وأحباؤه}. ما رأيك في هذا التعالي الذي يفهمه الإنسان من مصطلح الخيرية فيدفعه إلى التعامل بهذه الطريقة؟
الإجابة
الإسلام دين معاملة، وللأسف الشديد فإن فهم الناس لأخلاق هذا الدين ولأصول المعاملة فيه هو الذي أدى بهم إلى الوقوع في كثير من الأخطاء. نحن حينما نقول الآن أن من أركان قيام وبقاء خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإننا في هذا السياق نتذكر جملة من الفرائض والفضائل التي وجدت في هذا الدين، كالنصيحة، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والدعوة إلى الله عز وجل، والمعاملة بالحسنى. حينما ننظر في كل هذه التشريعات الربانية نجد أنها مشروطة بجملة من الشروط أهمها: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}، ونجدها في قول الله سبحانه وتعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}، ونجدها في قوله سبحانه وتعالى: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم}، نجدها في قوله سبحانه وتعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}، نجدها في قوله سبحانه وتعالى حينما وصف نبيه: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}، نجدها أيضاً في قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}، وغيرها من الأخلاق السامية الرفيعة التي تجعل من سلوك الفرد مجلبة إلى الالتزام بمنهج الصلاح والخير وبالإقبال على هذا الدين، وبأن يتصور الجميع حقيقة هذا الدين وأنه دين رحمة وسعة واستيعاب للناس بحسن المعاملة، والله تعالى يقول: {وقولوا للناس حسناً} في نفس السياق الذي يأمر فيه بعبادته وبالبر بالوالدين، وفي أيضاً في نفس السياق الذي أخذ فيه ميثاق بني إسرائيل أخذه أيضاً على هذه الأمة في هذا السياق. فإذاً خيرية هذه الأمة لا تعني بحال من الأحوال الكبر والتعالي على الناس وتصنيف الناس والحكم عليهم، هذه يعني الحكم على الناس إن كان يراد منه إصلاح أحوالهم ودعوتهم ويراد منه دعوتهم إلى الخير وحثهم على ما فيه صلاحهم في دنياهم وفي أخراهم، فإن ذلك لا بد له من أن يكون مشروطاً بالعلم والحكمة والموعظة الحسنة، وأن يكون أداءً للأمانة شفقة عليهم من الهلكة ورحمة بهم من الوقوع فيما يسخط الله سبحانه وتعالى، لا تعالياً عليهم ولا كبراً ولا غطرسة، ولذلك ينبغي للمسلمين اليوم أن يتخلوا عن هذا الطبع لأنه مما يمقته الله سبحانه وتعالى ويتنافى تماماً مع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه ربنا تبارك وتعالى رحمة للعالمين، يزكي الأخلاق ويهذب النفوس ويرتقي بسلوك هذا الإنسان لكي يكون سلوكاً متسماً بالإنسانية والرحمة والخلق القويم والهدي الراشد القاصد، هذا هو ما ينبغي أن يتحلى به المسلمون اليوم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.