الاتكال على الخيرية وترك العمل للآخرة

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#العقيدة 2026-11-06

السؤال

كذلك من منطلق هذه الآية ومعنى الخيرية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هناك العديد من الناس ممن يتخذ هذه الآية ذريعة لعدم العمل للآخرة قائلاً بأننا أمة الصلاح والخير، جاعله في ذلك شأن قول اليهود والنصارى: «نحن أبناء الله وأحباؤه»، قائلاً بأننا سندخل الجنة بغير حساب بإذن الله وهو أمر محتم بشفاعة رسوله عليه السلام، فما رأي فضيلتكم في ذلك وما هي نصيحتكم لمثل هؤلاء؟

الإجابة

هذه من أعظم البلايا التي أصيبت بها هذه الأمة، ومع أن هذه الآية الكريمة التي صدرنا بها هذا الموضوع تحذر هذه الأمة من أن تقع في ما وقعت فيه الأمم السابقة قبلها، فيكون ما أكرمها الله تعالى به من مزايا ومن محاسن في عقيدتها وفي شريعتها وفي رسالتها ومعجزاتها يكون سبباً للعمل وداعياً إلى الصلاح وباعثاً إلى مزيد من الصلة الفاعلة مع الله سبحانه وتعالى المعمرة لهذه الأرض بالخير والرشاد والمحققة لمعنى الاستخلاف، إذا بهذا المعنى في هذا السياق يكون سبباً للوقوع في ما وقعت فيه الأمم السابقة. يعني السؤال الذي طرحته فيما مضى وهو هذا الترتيب: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله»، تأخير الإيمان بالله مع أنه شرط لقبول الأعمال وهو يعني ما يقوم به تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومع ذلك أخر وقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، فيه من الدلالة ما فيه، لأن هذا السياق إنما ورد في مقام الرد على أهل الكتاب الذين زعموا أنهم يؤمنون بالله وأنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، فيأتي القرآن الكريم ليرد عليهم أن ما أصاب أهل الكتاب إنما كان سبباً لتأخرهم والاستخلاف غيرهم في هذه الأرض ولذلك قال: «كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون»، «لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه». ولذلك جاء الخطاب لهذه الأمة محذراً إياها من أن تقع في ما وقعت فيه الأمم السابقة، وهذا نلمسه في مواضع شتى من كتاب الله عز وجل، فالله تعالى كما يحذر في هذه الآية ويبين أن قوام خيرية هذه الأمة لا يكون إلا بالعمل، وأساس هذا العمل إنما يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما يكون بالدعوة إلى الخير «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر»، إنما يكون أيضاً حينما يكرم الله عز وجل هذه الأمة بالتمكين في الأرض، فإنه لا مناص لهم من العمل بكل ما أكرم الله عز وجل، بكل ما أكرمهم الله عز وجل من تشريعات وأخلاق، حينما قال: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر}، وحينما قال أيضاً في سورة التوبة: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين}. فهؤلاء هم الذين يتصفون بصفة الخيرية، وهم الذين، وإلا فما فائدة ما نجده في كتاب الله عز وجل من اقتران الإيمان بالعمل الصالح؟ يكاد لا تجد ذكراً للإيمان إلا ويقترن به الأمر بالعمل الصالح، أو ذكر العمل الصالح. والله سبحانه وتعالى حينما نتأمل في نفس هذا المفهوم الذي نتحدث عنه، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير، نجد في كتاب الله عز وجل مواضع شتى فيها التواصي بالحق والتواصي بالصبر، مسبوقاً بقوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ثم قال: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. إذاً ليست المسألة مسألة ادعاءات، وإلا أصاب من يدعي دون عمل ما أصاب من ادعى من الأمم السابقة، فما كان حظهم إلا الهلاك والدمار والخسران في الآخرة، كما بينت هذه السياقات التي ذكرت طائفة منها، وفي كتاب الله عز وجل منها الشيء الكثير. ولذلك حذر الله سبحانه وتعالى هذه الأمة من أن تقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من مثل هذه الادعاءات الزائفة، ومن مثل هذه التصورات الخاطئة التي تؤدي بها إلى ترك العمل وإلى التواكل وإلى عدم الأخذ بالأسباب، وإلى اطراح ما فيه عزتها وكرامتها وقوتها حقيقة، وإلى كل ما لا يعينها على تحقيق الألفة فيما بينها واتحاد الكلمة والسعي إلى تقوى الله سبحانه وتعالى حق التقوى، وإلى الاستمساك بحبل الله المتين. ونعى القرآن العظيم على هذه الأمة أن تدعي حينما يعني يحذرها: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}، حينما يقول: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب}، الخطاب فيه لهذه الأمة، {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً}.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

الاتكال على الخيرية وترك العمل للآخرة
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي