السؤال
ينبعث هنا إشكال عاطفي إن صح التعبير فضيلة الشيخ، وهو إذا كان الدعوة بالرحمة لا تضر وإنما هي استنزال لرحمة الله تعالى على من أخطأ في حقه، فما الذي يمنع من أن تمتد من الابن إلى والديه أو إلى أي أحد مات على معصية؟
الإجابة
هذه تتصل بما يعرف بمسألة الولاية والبراءة من الأشخاص، فالولاية حق للأتقياء الصالحين الموفين بما أمر الله تبارك وتعالى به، والمقصود بها أي من حيث معناها أولاً الجانب القلبي وهو الحب في الله تبارك وتعالى، ثم الدعاء الأخروي بالفوز والنجاة في الآخرة وبالجنة والمغفرة والرضوان، مع آثار دنيوية كالنصرة في مواقف الظلم والموالاة عند الاحتياج إليها أي عملياً.
ويقابل هذا المعنى البراءة، ويقصد بها البغض في الله تبارك وتعالى، واختصاص الدعاء الأخروي بأهل الولاية دون أهل البراءة. فمن صدر منه ما يسخط الله تبارك وتعالى فقد أنزل نفسه هذه المنزلة. والحكمة من هذا إصلاح الأفراد، لأن المقصود أن يؤمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر، ولا أثر للعواطف حينئذ. فحينما يقارف امرؤ كبيرة من كبائر الذنوب فقد أنزل نفسه تلك المنزلة، فهو جدير بأن يؤمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر، وفي سبيل ذلك لا يصح أن يظهر المرء له موافقة على غيّه وضلاله أو تأييداً له على ما هو فيه من بُعد عن منهج الله تبارك وتعالى، بل مقتضى النصح له ومقتضى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يريه عدم رضاه وأن يشعره بعدم إقراره له على ما هو فيه وأنه أسقط حقاً من حقوقه التي كان يستحقها بمسلكه ذلك. فإذا وُجد هذا من عدة أفراد أو من المجتمع أمكن حينئذ أن يعود هذا إلى نفسه باللوم والعتب ليتوب إلى الله تبارك وتعالى ويصلح ما بينه وبين خالقه سبحانه ويؤدي الحقوق إليه وإلى العباد إن كان قد ظلم. أما أن تكون الأمور مبنية على العواطف فحينئذ ستختفي معالم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول ربنا تبارك وتعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، ما هي خلالهم؟ ما هي صفاتهم؟ لمَ استحقوا موالاة بعضهم لبعض؟ {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، وصُدّرت لأنها هي الحصانة التي تحفظ تلك الموالاة، في صدارة ما ذُكر ما وُصف به هؤلاء من المؤمنين والمؤمنات قال: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ}، هذه هي الرحمة التي تسأل عنها.
عندما يتصفون بهذه الصفات، ولو لم تذكر الصفات لكان وصف الإيمان كافياً للدلالة عليها لأن هذا هو الشأن في كتاب الله عز وجل: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، المسألة واضحة.
لننتقل إلى صنف آخر وهو الصنف الذي على المسلم أن يتبرأ منه، قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، ليس هنا محل الشاهد هذا أمر متفق عليه بين المسلمين، قال في آخر الآية: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، أنزل نفسه هذه المسألة هذه المنزلة لمجرد أنه والى من حذر الله تبارك وتعالى من موالاتهم.
لمجرد موالاة قلبية، هذا هو الأصل، الأصل في الموالاة الموالاة القلبية الحب في الله تبارك وتعالى، والبراءة التي هي عكس الولاية البغض في الله تعالى. النظر إلى هذه القضايا بمنظورها الدقيق العميق كما نفهمه من كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يبقي للمجتمع المسلم حياته، هو الذي يحفظ له روحه. ننظر نحن اليوم في عالمنا ومجتمعاتنا بل في مجتمعات هذا العالم الفسيح، ففي غير بلاد المسلمين تظهر دعوات لما يخالف الفطرة بالكلية ولما هو مناقض لدين الله تبارك وتعالى باختلاف الملل والشرائع التي أنزلها، لا اليهودية تقبلها ولا النصرانية تقبلها ولا الإسلام من باب أولى يقبلها، من شذوذ الأعمال والأقوال والأفعال والزيجات وغيرها. ما الذي دفعهم إلى انطفاء هذه الأسس المتينة التي لا يقرها شرع ولا ملة ولا دين ولا عقل سليم ولا فطرة سوية؟ إلا أنهم حكموا أهواءهم وعواطفهم وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولذلك فينبغي للمسلمين اليوم أن يعيدوا النظر في أمثال هذه القضايا، وأن يكون موردهم الذي يأخذون منه كتاب الله عز وجل وهدي رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن حتى لا يفسر ما قلته على خلاف ما أريد، فإن هذا لا ينفي القول الحسن والكلمة الطيبة والدعوة إلى الله تبارك وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، فالله عز وجل وصف أهل الإيمان بقوله: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ}، وأمرهم بذلك قال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، وقال: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «أمرت بمداراة الرجال»، ولم يعهد عنه أنه كان فاحش القول، حتى لا يفهم أيضاً ويظن أن الغلظة هي المنهج الوحيد للإصلاح وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما لكل مقام وسيلة، ولكل مقام طريقة في الدعوة إلى الخير وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله تعالى أعلم.
ويقابل هذا المعنى البراءة، ويقصد بها البغض في الله تبارك وتعالى، واختصاص الدعاء الأخروي بأهل الولاية دون أهل البراءة. فمن صدر منه ما يسخط الله تبارك وتعالى فقد أنزل نفسه هذه المنزلة. والحكمة من هذا إصلاح الأفراد، لأن المقصود أن يؤمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر، ولا أثر للعواطف حينئذ. فحينما يقارف امرؤ كبيرة من كبائر الذنوب فقد أنزل نفسه تلك المنزلة، فهو جدير بأن يؤمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر، وفي سبيل ذلك لا يصح أن يظهر المرء له موافقة على غيّه وضلاله أو تأييداً له على ما هو فيه من بُعد عن منهج الله تبارك وتعالى، بل مقتضى النصح له ومقتضى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يريه عدم رضاه وأن يشعره بعدم إقراره له على ما هو فيه وأنه أسقط حقاً من حقوقه التي كان يستحقها بمسلكه ذلك. فإذا وُجد هذا من عدة أفراد أو من المجتمع أمكن حينئذ أن يعود هذا إلى نفسه باللوم والعتب ليتوب إلى الله تبارك وتعالى ويصلح ما بينه وبين خالقه سبحانه ويؤدي الحقوق إليه وإلى العباد إن كان قد ظلم. أما أن تكون الأمور مبنية على العواطف فحينئذ ستختفي معالم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول ربنا تبارك وتعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، ما هي خلالهم؟ ما هي صفاتهم؟ لمَ استحقوا موالاة بعضهم لبعض؟ {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، وصُدّرت لأنها هي الحصانة التي تحفظ تلك الموالاة، في صدارة ما ذُكر ما وُصف به هؤلاء من المؤمنين والمؤمنات قال: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ}، هذه هي الرحمة التي تسأل عنها.
عندما يتصفون بهذه الصفات، ولو لم تذكر الصفات لكان وصف الإيمان كافياً للدلالة عليها لأن هذا هو الشأن في كتاب الله عز وجل: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، المسألة واضحة.
لننتقل إلى صنف آخر وهو الصنف الذي على المسلم أن يتبرأ منه، قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، ليس هنا محل الشاهد هذا أمر متفق عليه بين المسلمين، قال في آخر الآية: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، أنزل نفسه هذه المسألة هذه المنزلة لمجرد أنه والى من حذر الله تبارك وتعالى من موالاتهم.
لمجرد موالاة قلبية، هذا هو الأصل، الأصل في الموالاة الموالاة القلبية الحب في الله تبارك وتعالى، والبراءة التي هي عكس الولاية البغض في الله تعالى. النظر إلى هذه القضايا بمنظورها الدقيق العميق كما نفهمه من كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يبقي للمجتمع المسلم حياته، هو الذي يحفظ له روحه. ننظر نحن اليوم في عالمنا ومجتمعاتنا بل في مجتمعات هذا العالم الفسيح، ففي غير بلاد المسلمين تظهر دعوات لما يخالف الفطرة بالكلية ولما هو مناقض لدين الله تبارك وتعالى باختلاف الملل والشرائع التي أنزلها، لا اليهودية تقبلها ولا النصرانية تقبلها ولا الإسلام من باب أولى يقبلها، من شذوذ الأعمال والأقوال والأفعال والزيجات وغيرها. ما الذي دفعهم إلى انطفاء هذه الأسس المتينة التي لا يقرها شرع ولا ملة ولا دين ولا عقل سليم ولا فطرة سوية؟ إلا أنهم حكموا أهواءهم وعواطفهم وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولذلك فينبغي للمسلمين اليوم أن يعيدوا النظر في أمثال هذه القضايا، وأن يكون موردهم الذي يأخذون منه كتاب الله عز وجل وهدي رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن حتى لا يفسر ما قلته على خلاف ما أريد، فإن هذا لا ينفي القول الحسن والكلمة الطيبة والدعوة إلى الله تبارك وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، فالله عز وجل وصف أهل الإيمان بقوله: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ}، وأمرهم بذلك قال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، وقال: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «أمرت بمداراة الرجال»، ولم يعهد عنه أنه كان فاحش القول، حتى لا يفهم أيضاً ويظن أن الغلظة هي المنهج الوحيد للإصلاح وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما لكل مقام وسيلة، ولكل مقام طريقة في الدعوة إلى الخير وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- حكم موالاة غير المسلم النافع للمسلمين فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- حكم الترحم على موتى المسلمين من غير معرفة فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- دليل وجوب الولاية والبراءة الظاهرية مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- التعالي على الآخرين باسم الخيرية سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- الاتكال على الخيرية وترك العمل للآخرة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي