التربية بالقدوة واختيار القدوات للناشئة

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الأخلاق 2026-11-04

السؤال

بالنسبة لموضوع آخر وهو موضوع التربية بالقدوة. نرى الآن بعض المروجين ووسائل الإعلام بشكل عام يوجه على تشهير بعض الشخصيات كي تكون قدوة، وهي في تشهيرها فساد وإفساد. هل على المربي أو المعلم المربي سواء كان معلماً أو أباً أو في أي سلك من أو أي مجال، هل عليه أن يزرع قدوة سواء كانت من التاريخ من السلف أو من المعاصرين قدوة يذكرها للطالب ترسخ في ذهنه حتى يسير على نهجها، سواء هذه القدوات كانت قيادات علمية، قيادات فكرية، قيادات وطنية، قيادات جهادية، يعني فيها الفخر والعزة للأمة بشكل عام؟

الإجابة

نعم، هذا أمر طبيعي، لأن الإنسان قد خلقه الله سبحانه وتعالى وفيه هذه الصفة، أي أنه بحاجة إلى الاقتداء بغيره فطرياً، فالطفل حين ينشأ يكون لديه تقدير لأبويه يراهما كل شيء في حياته، فينشأ على تقليدهما ومحاكاتهما في الأقوال والأفعال، «وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه»، أو كما يقولون: «بأبيه اقتدى عدي في الكرم ومن يشابه أبه فما ظلم». وفي الحديث بأن كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فهذا من ذكر أمر طبيعي.

ثم إذا ارتقى هذا الطفل في مداركه وكبر سنه فإن دائرته تتوسع، فيقتدي بإخوانه ويقتدي بأترابه الذين يعيش بينهم، وهكذا يتوسع إلى أن يلتقي بمعلمه فيتعلق به ويتلقى منه، وهكذا شيئاً فشيئاً. فالتربية بالقدوة أمر ضروري، ولذلك نجد المولى سبحانه وتعالى يشرع هذا الأمر في دعوة المؤمنين بالاقتداء بمن أكرمهم الله تعالى بالنبوة، {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}، فهؤلاء أول الناس مرتبة يكونون قدوة للمؤمن، وهم الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى من بين خلقه، لكن سمة هؤلاء أنهم معصومون، فالاقتداء بهم يكون مطلقاً. نعم، فيما يتعلق بخصوصية النبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة الأولى، لأن شرعه هو الشرع الخالد إلى يوم القيامة، وغيره ممن تقدمه من الأنبياء عليه وعليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام وإن كانوا يُقتدى بهم إلا أن هناك بعض ما نُسخ من شرعهم فلا يُقتدون فيه أو لا يُقتدى بهم فيه، فهذا أمرٌ مستثنى، طيّب، أمّا النبي ﷺ فهو ولا شكّ القدوة الأولى، وكذلك نجد المولى سبحانه وتعالى أيضاً يذكر سير عباده الصالحين في كتابه ممّن آمن به واتّبع الأنبياء أيضاً، فما يذكرهم إلّا لأجل أن يجعلهم قدوةً لنا جميعاً، وهكذا حين يذكر المولى سبحانه وتعالى لنا صحب النبي ﷺ الذين ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والبذل في سبيل الله تعالى وفعل الخير ونحو ذلك ممّا أثنى عليهم المولى سبحانه وتعالى فيه، فهؤلاء أيضاً قدوتنا نقتدي بهم، وكلّ من اتّبعوهم بإحسان، لكن كما قلت بأنّ للنبي ﷺ خصوصيّة وهو أنّه معصوم، فلذلك كان قوله عليه الصلاة والسلام وفعله حجّة، كما قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، أمّا بالنسبة لمن دونه فهم على المجموع قدوة ولذلك كان إجماعهم حجّة، ومع الاختلاف فلا، فذلك لأنّهم في أفرادهم غير معصومين، فلا يكون قول أحدهم أو فعل أحدهم حجّة إلّا إن كان يستند في ذلك إلى الدليل الشرعي، وإلّا فكلٌّ يؤخذ من قوله ويُردّ، هذا الاستـ.. يعني التنبيه لأجل منع طريق التقديس للأشخاص، فالنبي ﷺ حذّر من هذا وقال: «لا تُطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، وإنّما أنا عبدٌ -أو قال عبد الله- فقولوا عبد الله»، حتّى النبي ﷺ لا يُرفع قدره ليُعظّم من دون الله تعالى، وهذا ما ذكره المولى تعالى في كثيرٍ من الآيات: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ}، فهو بشرٌ في النهاية يتّصف بالصفات البشريّة، ولكنّه يختلف عن غيره أنّه يوحى إليه، فما بالكم بمن لا يوحى إليه أصلاً وهو معرّضٌ للصواب والخطأ، فهناك فرقٌ بين الاقتداء بأحدٍ مع تقديره واحترامه وبين تقديسه ليُتّخذ كلّ ما يقوله حجّة، فلا شكّ أنّ هذا لم يكن لأحدٍ فيما نعلم من هذه الأمّة بعد النبي ﷺ، حتّى أبو بكر وعمر وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم لهم الفضل ولكن لا يُقدّسون، وهم غير معصومين، وكذلك يستمرّ الأمر إلى عصرنا هذا، فلا شكّ أنّ القدوة إذا كان حيّاً يسير بيننا يكون له أثر، وهذا من تقدير أهل العلم والفضل وهو من تقدير العلم والفضل نفسه، فنحن بحاجةٍ إلى أن نزرع في أنفسنا وفي أتباعنا أو في أولادنا أو في طلبتنا هذا الأمر لكي نلتفّ جميعاً على هؤلاء الذين جعلهم الله تعالى ورثة الأنبياء وهم العلماء الربّانيّون، فما كان الثناء عليهم من الله عزّ وجلّ ومن رسوله ﷺ إلّا لأجل تنبيهنا على هذا المبدأ أو الملمح وهو أنّه يجب الرجوع إليهم، فالله تعالى يقول مثلاً: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وقال: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}، فهؤلاء قدوة ولكن كما قلت بقدرٍ معيّن، لأنّ هذه.. يعني هذا الفراغ إذا لم يُغطَّ فإنّه في المقابل سيُغطّى بالقدوة السيّئة، وهذا ما يقع عند طائفةٍ من شبابنا حين يتعلّقون ببعض الشخصيّات التي تُعدّ غير مؤهّلةٍ للاقتداء، فيقعون في الأخطاء نفسها التي وقعت فيها هذه الشخصيّة المقلَّدة أو المتّبعة أو المتّخذة قدوة، فما بالكم إذا كانت هذه الشخصيّة مفسدة، ظالمة، كافرة، سواءً كانت فرداً أو مجموعة، وأنتم تعلمون الآن تعلّق بعض الشباب ذكوراً وإناثاً ببعض الفرق الكوريّة مثلاً أو ببعض الراقصين والراقصات والمغنّين والمغنّيات الذين يسمّونهم نجوماً، أو تأثّر بعض الدارسين بمن يسمّون بنجوم الأدب، الكتابة، لأنّ الغرب يريد تعظيم شأنهم فلقّبوا هذا عميد الأدب العربي وذاك كذا وكذا، وما شهّروهم في هذا المجال إلّا لأجل أن يكونوا قدوةً للدارسين حتّى يسيروا على منهجهم، فإذن هذا يكشف لنا أنّ هناك أنواعاً من القدوة أيضاً ولكلٍّ أثره، قد يكون ذلك في الرقص والغناء، قد يكون ذلك في العلم، قد يكون ذلك في الشعر والأدب، وقد يكون ذلك أيضاً في السياسة، طيّب، وغير ذلك، فيجب على المربّين أن يعتنوا بوضع ضوابط لفلذات أكبادهم من أولادهم أو طلبتهم لكي يختاروا القدوة الصحيحة.

المفتي

الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري
الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري

الشيخ د. عبدالله بن سعيد بن خلفان المعمري (مواليد 1972) محاضر سابق في في كلية العلوم الشرعية بعُمان ومتخصص في القرآن وعلومه؛ تخرج من معهد القضاء الشرعي والوعظ (1994)، ونال الماجستير من جامعة آل-البيت بتخصّص «القرآن وعلومه» ثم حصل على الدكتوراه من جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة. يبدي نشاطًا دعويًا وعلميًا متواصلًا (خطب الجمعة، محاضرات وكتب ومحاضرات مسجّلة على قناته)، أنشأ معهد النجاح للإدارة والتدريب. وله مساهمات في التدريس والبحث في أصول الدين والتفسير. 

📺 شاهد الفتوى

التربية بالقدوة واختيار القدوات للناشئة
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي