السؤال
في مواقع التواصل الاجتماعي "تويتر، فيسبوك.." يوجد الكثير ممن يسوقون للأفكار المنحرفة الهدامة، كيف يمكن للآباء أن يحصنوا أولادهم من هذه الأفكار؟
الإجابة
هذه الوسائل، وسائل التواصل موجودة، وأصبحت حقيقة لا يمكن دفعها، فلا يمكنك أن تحرم أبناءك منها، ولئن كنا في هذه الأيام في أولها، فالجيل الذي سيأتي بعدنا ستكون هذه الوسائل أساسية له، لا يستطيع أن يتخلص منها، لذلك لا نكون سلبيين في التعامل معها وفي منع أبنائنا منها، لأنه حينما يخرج عنك سيجد أبناء حيه وأترابه في المدرسة وزملاءه سيجدهم يتعاملون بها، وأين ستذهب أنت من هذا كله؟ فالواجب في التعامل مع هذه الأساليب هو أن تحصن ابنك قبل كل شيء، وأن يحصن المجتمع كله بالصواب حتى لا ينجرف في الخطأ الموجود فيها، لأنه لا شيء يحد هذه الأخطار، لا شيء يحدها إلا أن تكون هنالك عقيدة راسخة في القلب هي التي تجعل الإنسان يميز بين الخطأ والصواب، وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا بأن يقر الإيمان في قلب الطفل ومراقبة الله سبحانه وتعالى حتى تكون ملامسة لشغاف قلبه، فهو يعيش بها، إن ربيت طفلك على هذا منذ صغره لا شك أنه سيواجه بعد ذلك ما يواجه وهو مستقر ومطمئن الحال، لأن العقيدة متمكنة في قلبه، {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ}، هذه العقيدة التي كان يرسخها لقمان في قلب ابنه. الناس معنا الآن يخوفون أبناءهم بالشرطي، يخوفون أبناءهم بالجن، يخوفون أبناءهم بهذه الأعراض التي لا يلبث الابن بعد سنوات من أن يكتشف بعدها أن أباه كان كذاباً، أن أباه كان لا يربيه التربية الصحيحة، فيفقد الأب مصداقيته، لأن الابن سيكتشف أن الشرطي لا يضره بشيء ونحن نذهب ونأتي أمام الشرطة ولا يضروننا بشيء، وأن الجن نعم هم موجودون قطعاً ولكنهم لا يؤذون الناس كما هو الحال الموجود الآن وكما هو الاعتقاد السائد في كل حركة وسكنة يفسرها بالجن، إذاً هذا كله سيتبين بعده للابن أن أباه كان غير صادق، أن أباه كان كاذباً، لذلك سيبقى الابن مع هذه المحرمات وستذهب كل المصداقية، إذاً لن يبقى إلا فريسة سهلة أمام هذه الأفكار، لكن لو ربطته بالله سبحانه وتعالى من أول الأمر وجعلت إيمانه راسخاً وما ربطت الأمر بأعراض دنيوية زائلة بل بالله تعالى الواحد القهار الباقي، حينها ستصاحبه في كل أحواله، لماذا؟ لأن الإيمان في قلبه، وكما يقول بعضهم: "ضع في يدي القيد، ألهب أضلعي بالسوط، ضع عنقي على السكين، لم تستطع حصار فكري ساعة أو نزع إيماني ونور يقيني، فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي ناصري ومعيني"، هذا هو الإيمان الحقيقي الذي ينفع الإنسان. الأمر الثاني بعد ترسيخ هذه المبادئ في قلب الصغير لأجل أن يواجه كل هذه التحديات التي نعلمها والتي لا نعلمها، هو أن نكون مصاحبين للأطفال، من أسوأ الأمور أن تكون راحة الطفل وفضفضته لهمومه أن تكون في خارج البيت، أن يسعى الطفل إلى هذه الوسائل، وسائل الاتصال لأنه يريد أن يبث فيها همومه، فيتلقفه هؤلاء الذين يريدون به سوءاً ويأتونه في صورة حية رقطاء لينة الملمس، يسمعون منه همومه، فيكون عندها فريسة سهلة لهم ليبثوه كل سمومهم، ولن يستطيع حينها إلا أن يهرب من واقعه، من مجتمعه، لأنه لم يجد الحانية التي تأخذه وتهدي له النصح وتسدده وتتفهم مطالبه في مجتمعه المسلم المؤمن. الرسول صلى الله عليه وسلم كما تعلمون كان يعيش مع الأولاد الصغار، فهو الذي ثبت الحديث عنه أنه كان يملأ فاه بالماء البارد ثم يرشه في وجه الحسن ابن ابنته فاطمة، فيبتسم الحسن، وهذا الابتسام وهذا التصرف وهذه الممازحة هي التي تجعل هناك علاقة قوية بين هذين الشخصين، لا أن يكون الأب هو أبعد الناس عن قلب ابنه. الأمر الثاني هو صلى الله عليه وسلم في أمور العبادة، وأنا أتيقن أن مثل هذه الأمور لو حصلت في مجتمعنا وأمامنا لما رضينا بها، كان يخطب بالناس والموجه المستهدفون بالخطبة أبو بكر وعمر وغيرهم من كبار الصحابة ومن كبار الرجال العرب حينها، يرى الحسن، ولأن أبواب أمهات المؤمنين كما تعلمون كانت تدخل إلى المسجد مباشرة، يرى الحسن يأتي من بعض أبواب المسجد وهو يتعثر بثوبه، فيقطع صلى الله عليه وسلم خطبته وينزل من المنبر ويذهب إلى ابن ابنته فاطمة ويحمله إلى حضنه وبعد ذلك يكمل خطبته بصحابته، وهو الذي ثبت الحديث عنه أنه كان سجد بالصحابة وأطال في سجوده كثيراً جداً حتى أن الصحابة سألوه بعد الصلاة: أشرع أمر جديد؟ كأطلت بنا إطالة ما كنت تطيلها من قبل، فقال لهم صلى الله عليه وسلم بأبي وهو الرحمة المهداة، قال لهم: "إن ابني هذا ارتحلني فلم أشأ أن أزعجه"، جاء الحسن نفسه وركب النبي صلى الله عليه وسلم ساجد، لأن الواقع كما قلت لكم البيوت قريبة، فقد يكون في البيت طفل صغير يخرج إلى المسجد وهذا أمر طبيعي، فركب في رقبة النبي صلى الله عليه وسلم كما تركب الراحلة، كيف تركب الراحلة؟ تجعل رجل هنا ورجل هناك، فركب في رقبته وقال: "إن ابني هذا ارتحلني"، ركب في رقبتي "فلم أشأ أن أزعجه" إلى أن قام الحسن بنفسه وقام النبي صلى الله عليه وسلم من سجوده. هذه المعاملة الحسنة، تصوروا الحسن بن علي بن أبي طالب يرى نفسه محمولاً في حضن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كلهم يرونه، ما هذه العلاقة القوية التي ستكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا الإحسان العظيم سيجعل قلبه منشرحاً لمحبوبه، للنبي صلى الله عليه وسلم، ولن يكون فريسة سهلة أمام الغزو الذي يأتي من الخارج، ومن هنا فأبناؤنا لو أحسوا من المجتمع كله بهذا الحضن الدافئ الذي يحملهم والذي يصلح أخطاءهم بالتي هي أحسن وليس بإعلاء الصوت واكفهرار الصورة ونحوها، لا شك أنهم سيكونون معنا، "أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم، فطالما استعبد الإنسان إحسان"، لو أن.. أما والحال أن أبناءنا يرون المصائب تأتيهم حينما يأتون إلى بيوتهم، يرون الغلظة حينما يتعاملون مع أبيهم ومع أمهم، فمن غير شك أنهم سيتلمسون اليد الحانية التي تأخذهم، وهذه اليد الحانية قد تكون يداً حانية نحو الخير وقد تكون يداً مسمومة تأخذهم نحو السوء، ووسائل الاتصال هي كذلك، لو أسسته على تقوى من الله وأحكمت قيادة قلبه وأحكمت قيادة حبه لك فبإذن الله تعالى لن يصير إلا إلى الخير، والله تعالى أعلم.
المفتي
جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
تفريغ جلسات الإفتاء العامّة للشيخ الدكتور ماجد بن محمد الكندي من يوتيوب، مدقّقةً ومراجَعة.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- خطر الإنترنت والإعلام على عقيدة الأطفال سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- دور الصلاة في تحصين الأبناء من الغزو الفكري والانحراف سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- حماية الأبناء من مخاطر الهواتف الذكية مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- التعامل مع طفلةٍ تشكّك في وجود الله سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- فتح حساب الطفل في التواصل الاجتماعي ونشر صوره فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي