السؤال
في قوله تعالى: "ولنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين"، ما المقصود بالخوف في الآية؟ وهل ذكره في بداية الآية له أهميةٌ معينة؟ وهل تعني الآية أيضاً أن كل إنسان يبتليه الله تعالى بهذه الابتلاءات؟
الإجابة
معنى الخوف ارتفاع أسباب الأمن، سواء كان ارتفاع أسباب الأمن باضطراب الأحوال أو بسببٍ نفسي أو لاضطرابٍ في المعيشة أو لحدوث حالاتٍ من عدم الاستقرار كالحروب والفتن أو لحصول ما هو مخوف كمرض، كل هذا يصدق عليه أنه خوف، فالخوف في الاستخدام القرآني يصدق على الحالات التي ترتفع فيها أسباب الأمن. نجد مثلاً في هذه الآية نجد في قول الله تبارك وتعالى: "وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف"، فالجوع في مقابل يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، والخوف في مقابل كانت آمنةً مطمئنة. فلما كفرت بأنعم الله عز وجل زال عنها ارتفع عنها ارتفعت عنها أسباب الأمن والاطمئنان وحل محل ذلك الخوف، هذا هو الخوف ولذلك امتن الله عز وجل على أهل مكة وعلى عباده جميعاً بتحقيق أسباب الأمن والأمان بارتفاع أسباب الخوف، فقال: "فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف"، فآمنهم من خوف، فالذي يقابل الخوف هو الأمن. قد يكون هذا كما تقدم لمخوف كمرض أو فتنة أو اضطرابٍ في الأحوال سواء كانت هذه الأحوال في أسرةٍ من الأسر أو في مجتمعٍ من المجتمعات أو على عموم الوطن، أو للدخول في حالةٍ من الحرب والاقتتال والدخول في دائرةٍ من العنف يرتفع معه الأمن ويحل محله الخوف على الأنفس والأعراض والأموال. الآن الآية الكريمة تقول: "ولنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات"، هذه الواو العاطفة هنا كما يقول المفسرون إنما يراد منها التنويع، فهي في دلالتها تدل في هذا السياق على ما تدل عليه "أو"، فيراد من ذلك التنويع. "ولنبلونكم بشيء"، أولاً صحيح أن الفعل أتى مؤكداً، لام التوكيد، ثم بصيغة الجمع وهي دالةٌ على التعظيم لأن الأمر يستدعي التعظيم، ثم نون التوكيد "ولنبلونكم" نون التوكيد، لكن أتى بعد ذلك ما يخفف، فمن حيث كونه هي حقيقةٌ ثابتة، ولكنّ فضل الله تبارك وتعالى واسع، ولذلك قال: {بِشَيْءٍ مِّنَ}، نعم، فقوله {بِشَيْءٍ} يدلّ على التقليل، و{مِّنَ} تدلّ على التبعيض، ثمّ جاءت أنواعٌ من الابتلاءات: {بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}، لا يلزم أن يُبتلى الإنسان بكلّ هذه الابتلاءات، نعم، وإنّما هي سنّةٌ ماضيةٌ في هذه الحياة الدنيا أن تكون هذه الحياة كما قال ربّنا تبارك وتعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، وقال: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}، {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا}، نعم، فهذه سنّةٌ ماضيةٌ في هذه الحياة، يُصاب كلّ إنسانٍ فيها بنوعٍ من أنواع الابتلاءات أو بأنواعٍ منها، تمحيصاً وتطهيراً وتذكيراً له وتعقيباً له على عملٍ من أعماله ومحض ابتلاءٍ من الله تبارك وتعالى، فلا يلزم أن تجتمع كلّها في مبتلىً واحد، وإنّما هي، حتّى ذلك الذي يبسط الله تبارك وتعالى عليه النعم ويمنّ عليه بالقوّة وينعم عليه بالصحّة، فذلك هو بلاؤه، وإن ظهر للناس أنّه غير مصابٍ بشيءٍ من الابتلاءات في ظاهر الأمر، لأنّها ليست من هذا النوع، ليست من أسباب الخوف في ظاهر الأمر أو النقص في الأموال والأنفس والثمرات أو الجوع أو ما ورد ذكره في هذه الآية الكريمة، نعم، لكنّه في حقيقة الأمر لا يسلم من بلاء، فإمّا أنّه في نعمةٍ وصحّةٍ وقوّةٍ وولدٍ وجاه، إلّا أنّه قد يكون مبتلىً بخوفٍ شديد، أو قد يكون مصاباً بعاهاتٍ وأمراض، أو قد يكون في اضطرابٍ وقلق، وهذا داخلٌ في معنى الخوف.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- نفي الخوف والحزن عن أتباع الهدى في الدنيا والآخرة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- معنى قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- كيف يتخطى المسلم الابتلاءات والمصائب فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- الحكمة من الابتلاءات والشرور في الدنيا سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- معنى الابتلاء وهل يكون بالمعاصي أم بفقدان المال أو الأحبة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي