نفي الخوف والحزن عن أتباع الهدى في الدنيا والآخرة

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-11-04

السؤال

في قوله تعالى: «فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»، هل نفي الخوف والحزن عنهم يشمل حياتهم الدنيوية أم هو مقصود في الآخرة فقط؟

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فإن هذه المسألة دقيقة، إذ يشكل على كثير من الناس معنى نفي الخوف عن أولياء الله تعالى المتقين، كما هو الشأن في هذه الآية الكريمة، أو فيما يظهر من دلالة هذه الآية الكريمة في قوله تبارك وتعالى: «قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»، وكما في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ». وينبغي لنا أن نفرق بين أمرين، أما الأمر الأول فهو أن نفي الخوف والحزن في الآخرة عن المتقين الأولياء المؤمنين المخلصين العاملين أمر لا خلاف فيه، وهذا هو معنى الرضوان والجزاء بالجنان والمغفرة من الله تبارك وتعالى، وهو أمر متفق عليه. لكن هل يقتصر معنى هذه الآيات الكريمة على نفي الخوف والحزن عنهم في الآخرة، أو أنه يمكن أن يحمل على نفي الخوف والحزن عنهم في الدنيا؟ والذي يظهر أنه ينبغي التفريق بين الخوف والحزن اللذين هما من المشاعر الإنسانية الفطرية التي جبلت عليها النفس الإنسانية، فهذه لا يسلم منها أحد، لأن من طبيعة البشر أن يصيبها الوجل والحزن الذي لا يخرجها عن طاعة الله تبارك وتعالى، وإنما يأتيها الحزن من الفقد على سبيل المثال، ومن الآلام والمصاعب التي تصيب بني البشر، وهي من نواميس الله تعالى في هذه الحياة، مما لا علاقة له من حيث الذات بأمر الدين نفسه، فهذا الجانب لا يسلم منه أحد، وتشهد لهذا أدلة أيضاً من كتاب الله عز وجل، من نحو ما أصاب يعقوب عليه السلام، فربنا تبارك وتعالى يقول: «وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ»، وقال أيضاً ربنا تعالى في قصة أم عيسى عليه السلام، فقال: «وَلَا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا»، وقال في قصة أم موسى: «فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ»، ثم حكى عنها أيضاً بعد ذلك في نفس السورة: «فَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا»، في حادثة الهجرة خاطب نبينا صلى الله عليه وسلم صاحبه أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بقوله: «إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا». هذه الآيات القرآنية تدل على هذا المعنى، معنى الخوف والحزن الذي يعتري الإنسان بحكم طبيعته البشرية، فهي مشاعر غرسها الله سبحانه وتعالى في نفس هذا الإنسان، وحتى حينما وصف المؤمنين نجد ذلك في الأحزاب: «إِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا». لكن الجانب الآخر المتعلق بنفي الخوف والحزن عن المؤمنين الأتقياء في هذه الحياة الدنيا هو معنى ملحوظ صحيح في هذه الآيات الكريمة، ولا يقصد به هذا الجانب الفطري البشري، وإنما يقصد به ما يتعلق بالخوف من الغواية والحزن على فوات الهداية، فهذه السياقات التي ورد فيها نفي الخوف والحزن تدل على هذا المعنى، آية البقرة: «قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى»، إذاً المحذور الذي يخشى منه هؤلاء ألا يكون هناك هدى يتبعونه، ولذلك قال: «فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»، ويوضح هذا المعنى آية سورة طه: «قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ»، إذاً الخوف والحزن ناشئان هنا عن الخوف من الضلالة والحزن على أن يكون من أهل الشقاء والعياذ بالله، ولذلك جاء بعده بعد هذه الآية مباشرةً: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ»، يشهد لهذا أيضاً في كتاب الله عز وجل في النحل: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ»، ثم قال: «وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، فدل على أن الحياة الطيبة إنما هي في هذه الحياة الدنيا، وإنما مبعث ذلك طمأنينتهم إلى أنهم سائرون على درب الهداية، متجنبون لطرق الغواية والشقاوة، أنهم متمسكون بحبل الله المتين، متبعون لنوره المبين، فينفي عنهم ذلك الخوف من أن يكونوا حيارى تائهين يتلمسون سبل الهداية فلا يجدونها، فتطمئن نفوسهم أن معالم الهداية واضحة، وأنهم ويدركون من أجل ذلك حقيقة هذه الحياة الدنيا، فما كان من أمر هذه الدنيا وفواتها فإنهم لا يأسفون عليه الأسف والحزن الذي يمكن أن يخرج بهم عن طاعة الله تبارك وتعالى، لأن نفوسهم لا تتعلق بهذه الحياة الدنيا، وإنما يدركون أن السعادة والفلاح إنما هما في الحياة الآخرة. هذا هو معنى هذه الآيات القرآنية الكريمة، وهذا تحدث عنه طائفة من المفسرين إما تصريحاً وإما تلميحاً، والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

نفي الخوف والحزن عن أتباع الهدى في الدنيا والآخرة
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي