موقف الإسلام من نشر اللغة العربية بين الشعوب

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

السؤال

الملاحظ أن المسلمين الذين فتحوا تقريباً ثلثي العالم لم يعمدوا إلى نشر اللغة العربية وفرضها على الشعوب التي وصلوا إليها، إنما بقدر فقط ما تحقق لهم أمور العبادة، بل إن بعض الفقهاء لجأ إلى القول بأن الفاتحة يمكن أن تقرأ باللغة الفارسية. هل لأن المسلمين لا يمتلكون استراتيجية معينة تسعى إلى فرض لغتهم أم أن الإسلام يدعو إلى المحافظة أصلاً على الهويات اللغوية ولا يسعى إلى التدخل فيها؟ هل هي عدم استراتيجية أم رؤية شرعية؟

الإجابة

هي ليست بانعدام استراتيجية كما تفضلتم، وإنما لأن هذا الدين يريد أن يبني عقيدة راسخة في النفوس، ليجعل من هذه العقيدة موجهة لهذا الإنسان في مسيره في هذه الحياة فعلاً وتركاً، التزاماً وخلقاً، ليكون بعد ذلك ما ينطبع على نفسه ما هو إلا أثر لهذه العقيدة ولطاعته لربه تبارك وتعالى. نعم. فهذا الدين يمكن الالتزام به والقيام بما يفرضه دون اشتراط أن يتعلم صاحبه العربية إلا بالقدر الذي يؤدي به العبادات. نعم. فما أشرتم إليه على سبيل المثال مما ينسب إلى الإمام أبي حنيفة، خالفه فيه صاحباه، وهو قول مهجور، وذكر كثير من أهل العلم أنه قد رجع عنه، ومع ذلك فهو لا شك أنه قول إمام إن ثبتت النسبة من أئمة الإسلام، لكن خالفه عليه حتى تلاميذه. نعم. ومع ذلك فإن اللغة لم تكن أبداً حاجزاً كما ذكرتم من انتشار الإسلام وقبول الناس له وبراعتهم في علومه، فنحن نجد أن كثيراً من علماء الإسلام من علماء العربية ومن علماء التفسير ومن علماء السنة النبوية هم من غير العرب، وهم من أبرع العلماء وأكثرهم تحقيقاً وتدقيقاً في هذه العلوم. نعم. وما ذلك إلا لأن هذا الدين خالط قلوبهم فصاغ منهم أناساً لهم رؤيتهم ولهم ما يدفعهم إلى العناية بعقيدتهم وبإيمانهم الذي دخلوا فيه وبهذا الدين الذي التزموا فيه أو التزموا به، ولذلك نجد أن الشعوب التي دخلت في الإسلام من الشعوب من اختار أن تكون العربية لسانه، ومن الشعوب من اختار أن تكون العربية رسم حروفه، ومن الشعوب من اختار الأمرين معاً، ومن الشعوب من لم يلتزم، أخذ رسم الحرف فقط دون الكلمات. نعم. كل هذا يثبت عالمية هذا الدين وأن البشرية جميعاً قابلة له متمكنة منه، وأن الله تعالى يسره للعالمين لأن شواهد التاريخ تثبت ذلك من أقصى شرق الصين إلى أدغال أفريقيا إلى أقصى العالم المعمور الغربي نجد إلى الشمال والجنوب في الكرة الأرضية نجد أن أناساً وشعوباً وقبائل وأفراداً قبلوا هذا الدين وتمكنوا منه وظهر فيهم علماء ونوابغ ولم تكن اللغة أبداً حاجزاً لا في قبوله ولا في الإتقان فيه والإبداع في علومه والإتيان بتحقيقات رائعة من مختلف أقطار هذه الأرض. نعم. فليس من شأن الدين أن يلزم الناس، لا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو الأمم التي خاطبها إلى أن تلتزم اللغة العربية، أما القدر الذي يحتاجون إليه الذي يحتاج إليه الناس جميعاً لأداء عباداتهم فهذا هو القدر اللازم عليهم، وأما ما سوى ذلك فإن هؤلاء الذين دخلوا في هذا الدين هم الذين كانت نفوسهم تدفعهم إلى الاستزادة من هذه اللغة التي اختارها الله تبارك وتعالى وعاءً لكتابه الكريم. وأذكر في اجتماع مجمع الفقه الإسلامي الأخير لمناقشة قضية ما ظهر من دعوات غريبة لقراءة القرآن وكتابته في الصلاة وفي غيرها، أي قراءته في الصلاة وإلى رسمه أيضاً باللغات القومية أو المحلية مع حفظ نطق كلماته أو مع الإتيان بترجمة معانيه، فذكر وأكثر المسلمين اليوم هم من غير العرب في الحقيقة، فعلاً، فذكروا أن تعلم هذه المعاني وحفظها باللغات بلغاتهم القومية أصعب بكثير من تعلم سور القرآن الكريم نفس السورة مثلاً سورة الفاتحة أن يتعلم نطقها وأن يحفظها باللغة العربية هو أسهل بكثير جداً من أن تترجم له المعاني إلى لغته ثم يحفظ نطقها بلغته الأم وأن ذلك يستغرق أياماً في حين أن تعلمه لسورة الفاتحة على سبيل المثال قد لا يستغرق إلا ساعات، وذكروا شواهد ممن دخلوا في الإسلام حديثاً أنه يؤتى إليه بالترجمة ويؤتى إليه باللغة الأصل بنص الآيات الكريمة التي يتعلم سورة الفاتحة مثلاً يؤتى له بترجمة المعاني بلغته لأنه دخل الإسلام حديثاً ويتحدثون عن أناس أميين فيعلم هذه اللغة ويعلم العربية يحفظ العربية فيكون حفظه للعربية ونطقه لها أسهل وأسرع من اللغة الأم التي يتحدث بها بلسانه، فلذلك لم نشهد دعوة أننا نحتاج أن نعرف العالم اليوم بالقرآن الكريم وبعلوم هذا الدين تستدعي منا أن ننقل هذه إلى اللغات، هذه دعوة فارغة لأن تاريخ الإسلام يشهد على خلاف ذلك الذين دخلوا في هذا الدين منذ القرون الأولى إلى يومنا هذا هم من مختلف القارات ومن مختلف الشعوب والقبائل وبمختلف الألسن ولم تكن اللغة عقبة أبداً في سبيل قبولهم لهذا الدين بل وفي سبيل إبداعهم في علومه ومعارفه. هذا استطراد في الجواب والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

موقف الإسلام من نشر اللغة العربية بين الشعوب
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي