السؤال
يريد منكم نصيحة لشخص لا يزور أباه فترة من الزمن لأن أباه يعيش في بيت أخته وهو مقاطع لأخته ولا يزورها ولا يسأل عن أبيه أبداً، هناك أيضاً أخوان متخاصمان منذ أكثر من 35 سنة والأب موجود في بيت أحدهما والابن الآخر لم يزره منذ أكثر من 17 سنة إلا في العام الماضي دخل عليه يوم العيد، يريدون منكم نصيحة لهؤلاء.
الإجابة
أقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا من الخذلان، هذا حرمان، الله المستعان، فالله تبارك وتعالى قرن بر الوالدين بطاعته: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً"، لو كان الوالدان مشركين وهما يدعوان ولدهما إلى الإشراك بالله فإننا مع ذلك نجد أن القرآن الكريم يقول: "وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما" ثم قال: "وصاحبهما في الدنيا معروفاً"، فكيف يهنأ عيش لولد يهجر أباه 35 عاماً؟ كيف وهو يجد أن الله تبارك وتعالى يقرن بين الإعراض عنه وبين تقطيع الأرحام يقول: "فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم"؟ ورسولنا صلى الله عليه وسلم حينما ذكر أكبر الكبائر قال: "الإشراك بالله" في أول كبيرة سماها ثم قال: "وعقوق الوالدين" ثم قال: "ألا وقول الزور"، فعلى هذا الولد أن يتوب إلى ربه وأن يصل والده وأن يبر به وليس له أن يؤخر أو يؤجل، فالسؤال عن الأب وحق الأب عظيم، فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأل: "من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟" فقال عليه الصلاة والسلام: "أمك"، قال: "ثم من؟" قال: "أمك"، قال: "ثم من؟" قال: "أمك"، قال: "ثم من؟" قال: "أبوك ثم أدناك أدناك"، فحق الأب يأتي بعد حق الأم، وعلى هذا فإن من كان مقصراً في حق أمه أو في حق أبيه أن يبادر ولا يسوف لأنه في حياته سيكون محروماً من التوفيق، جالباً لنفسه للوزر والإثم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه"، فقيل: "من يا رسول الله؟" قال: "من أدرك والديه أو أحدهما ولم يدخل بهما الجنة"، فهل جزاء الوالدين العقوق بعدما قاما بالتربية وبعدما سهرا ليبقى هو هانئ البال؟ يعطيانه من صحتهما ويقدمانه على نفسيهما ويبذلان الغالي والرخيص، إن الواجب عليه أن يقبل لهما أقدامهما وأن يتدارك نفسه قبل أن يأتي هادم اللذات، وليتب إلى الله تبارك وتعالى واليوم مع توفر وسائل الاتصال بإمكانه أن يرفع السماعة وسيجد قلب والده قلباً حانياً عطوفاً، وإن كان مقصراً في أمه فليبدأ بأمه الآن، في هذه اللحظة ليغتنم هذه اللحظة الطيبة من هذا الشهر الفضيل وليبادر إلى صلة من قطعه من والديه أو من أرحامه عموماً، ولينتهز فرصة هذا الشهر، نحن كنا سنعتب عليه أنه هجر أخاه، لكن هو هجر والده أيضاً مع هجره لأخيه، وحق الأب مقدم وإلا فإن عليه أيضاً أن يبادر وأن يكون هو المحسن، رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جاءه رجل فقال حتى لا يحتج علينا أنهم هم الذين يسيئون إليه، هذا الرجل يقول لنبينا عليه الصلاة والسلام: "إن لي رحماً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهل عليّ من شيء إن أنا هجرتهم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملّ»، والملّ هو الرماد الساخن، كناية على حجته عليهم بتسببه في الوزر عليهم. ثم قال: «ليس الواصل بالمكافئ»، أي ليست هي صفقة معاوضة، وإنما الواصل من يصل إذا قطعه الناس، ومن يعطي إذا منعه الناس، هكذا ينبغي أن يكون المسلم. ونحن نرى اليوم يعني قد تجد هذا الرجل يشتكي من عقوق أولاده، ولا ينتبه إلى أن هذا إنما هو جزاء وفاق لما قدمه هو في والديه أو في أحدهما، ونجد هذا التفكك الأسري في المجتمعات، ونجد نزع البركة من الأعمار والأوقات، فمنشأ ذلك في صدارة الأسباب إنما هو عقوق الوالدين وتقطيع الأرحام، ولذلك لا بد للمسلم أن يبادر ولا يسوف ولا يلتفت إلى وساوس الشيطان، ليفعل ذلك الآن، وسيجد كما تقدم، سيجد قلب والديه، سيجد قلب أمه وقلب أبيه قلوباً حانية عطوفة رحيمة متشوقة إليه قريبة سهلة، وعليه أن يصلح ما بينه وبين إخوانه وبينه وبين باقي أرحامه، والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- مخاصمة الإخوة وقطيعة الأرحام سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- ابن يقاطع أمه ولا يرد عليها السلام سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- قطع التواصل المؤقت مع الأب لدفع الضرر مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- تجنب الجلوس مع الأم لسوء معاملتها مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- منع الأب بناته من زيارة بيته بسبب الخلافات مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي