قصة ميراث فاطمة وحادثة السقيفة

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#العقيدة 2026-11-06

السؤال

عندي استفسار عن قصة سيدنا عمر وأبو بكر مع السيدة فاطمة في موضوع ورث السيدة فاطمة من الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم جميعاً، وقصة تهديد سيدنا عمر لحرق بيت فاطمة الزهراء، ما حقيقة هذه القصة؟

الإجابة

هي إذن قصتان وليست قصة واحدة، قضية إرث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضية السقيفة والتهديد بحرق بيت السيدة فاطمة. ولن ندخل في التفاصيل إذ ليس من مصلحة أحد أن نستدعي أحداثاً مضت ومر عليها قرون من الزمان، بل نقول: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون. فينبغي بل يجب للمسلمين اليوم، يجب على المسلمين اليوم أن يكونوا أحرص ما يكونون على جمع كلمتهم وعلى تألف قلوبهم. هذه الروايات والآثار فيها الكثير من الخلاف، وكل مذهب وحزب وطائفة يروي فيها آثاراً ينتقص فيها من الآخرين ويزكي فيها نفسه، وبين هؤلاء وأولئك تضيع الحقيقة. ونحن اليوم نرى في أحداثنا المعاصرة التي تجري من حولنا اليوم من الفتن السياسية والأحداث المتصلة بالحكم وبقضايا ذات طابع عام، نجد أنه يصعب لا على البعيد فقط مع توفر وسائل الاتصال المعاصرة اليوم، بل حتى على القريب المشاهد لها الداخل فيها، يصعب عليه أن يصل إلى كنه حقيقة ما يجري وإلى معرفة ما لدى المتحزبين فيها حتى يمكن له بعد ذلك أن يخرج بتصور وأن يسعى فيه إلى إصلاح ذات بين. فكيف بنا بأحداث مضى عليها قرون من الزمان، وما استلهامنا لها إلا من خلال ما ورد في كتب السير وكتب التاريخ والتراجم التي ذكرت عن هؤلاء السلف. هناك قواعد عامة لو أن المسلمين اليوم تمسكوا بها لأغنتهم عن الكثير من المشاحنات والعداوات السائدة الجارية بينهم اليوم، من ذلك أهمية توقير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهم، فلا بد من أن يعلي المسلمون اليوم من شأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن يطهروا ألسنتهم من أن ينتقصوا من أقدارهم ومنازلهم، فضلاً من أن يخوضوا فيهم بسباب أو لعن أو غير ذلك. لا بد من توقير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم خير القرون، وشهد لهم القرآن العظيم لاسيما للسابقين منهم، للسابقين من المهاجرين والأنصار ولأهل بيعة الرضوان ولأهل بدر ولمن كانت لهم المواقف المشهود لها في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة. وهذا لا يؤثر فيه وجود بعض الأفراد الذين ارتكبوا بعض الأخطاء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في عهد الخلفاء الراشدين من بعده، فإن هذا لا يؤثر على منزلة عمومهم، على المنزلة الإجمالية لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على خيرية ذلكم القرن الذي كانوا فيه. والأولى بالتوقير لا ريب هم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه رضوان الله تعالى عليهم ومن قرابته، هم أولى الناس بالمحبة والتقدير والتوقير، إلا أن المحبة لا تعني التقديس كما لا تعني بخسهم حقوقهم، بل لا بد من الاعتدال والوسطية. وكذا الحال بالنسبة لعموم صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. هذا من المبادئ العامة التي لا بد من التقيد بها. الأمر الآخر أو المبدأ الآخر هو أن نسعى إلى ما يقرب شتات المسلمين اليوم، أن نبحث عن الجوامع المشتركة، أن نبحث على القدر الأدنى إن لم يتأت لنا الحظ الأوفر فلا أقل من أن نتفق على الحد الأدنى، على الأرضية المشتركة كما يقال اليوم من التفاهم حول تلك الأحداث التي جرت. ما أجمل أن نستقي فهمنا لما دار بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروايات التي فيها أولاً تكون ثابتة لا ريب، ثم إن فيها بعداً عن المغالاة لطرف على طرف آخر، بحيث نأخذ منها القدر المشترك وأن نترك بعد ذلك الحواشي والهوامش التي تجلب الكثير من النزاعات والخلافات، إن لم يكن بد من استدعاء تلك الأحداث. وإلا فإن المبدأ التالي هو ما قرره عمر بن عبد العزيز رضوان الله تعالى عليه حينما قال: «تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلنطهر منها ألسنتنا». فما أجدر المسلمين اليوم أن يطهروا ألسنتهم مما من السباب واللعن ومن انتقاص ذلكم القرن وصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ونحن نجد حتى في تراثنا نحن، في تراث الإباضية، أن وفداً من الإباضية ذهبوا إلى عمر بن عبد العزيز وطلبوا منه أن يكف، أن يأمر الخطباء في الجمع بكف ألسنتهم عن الخوض في الفتنة التي كانت بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكفوا عن لعن بعضهم البعض، عن لعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعجبه رأيهم وكتب إلى الخطباء وإلى الأئمة، ومنذ ذلك اليوم استبدل بما كان من سباب ولعن آية من كتاب الله عز وجل لا زال الخطباء يقرؤونها إلى اليوم وهي قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. فلا يصح لمن كان متخذاً موقفاً ما أن يعمم العداوة وأن يبسط لسانه بالسوء والفحش، فإن هذا ليس من شأن المسلمين. كذلك لا بد من مبدأ آخر وهو مراعاة تقوى الله سبحانه وتعالى، لا بد أن نتقي الله عز وجل في بعضنا البعض وأن نحرص على أن نكون منصفين للآخرين من أنفسنا قبل أن نطالبهم بإنصافنا منهم، لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بذلك حتى في السياق الذي أمرنا فيه بتألف القلوب وبوحدة الكلمة قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، فذكر لنا أمرنا قبل أن يأمرنا بالاعتصام بكتابه وقبل أن ينهانا عن التفرق أمرنا بالتقوى وأن تكون تقوانا له حق التقوى، أي غاية التقوى وأكملها. فيجب على المسلمين اليوم أن يتحروا تقوى الله سبحانه وتعالى حتى في خصوماتهم، حتى في معاداتهم للآخرين، فكيف إذا كانوا ينتسبون إلى أمة واحدة وفيها من مقومات الالتقاء وجمع الكلمة والمشتركات ما لا يتوفر في أمم أخرى، كيف والله سبحانه وتعالى ينهاهم أيضاً عن التنازع، وهنا يعني لأختم حتى أختصر، أيضاً حتى لو تحدثنا بلغة المصالح فإن مصلحة المسلمين اليوم أن تجتمع كلمتهم، إذ لا شوكة لهم ولا قوة ولا منعة يمكن أن تتحصل لهم إلا باجتماع كلمتهم، ولذلك فإن الله تعالى يقول: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. فلذلك حتى على لغة المصالح كما قلت عندنا من المصالح الداعية إلى أن ننبذ أسباب الفرقة والشقاق والنزاع ما لا يتوفر عند غيرنا. فمن اللائق في حقنا ومن اللازم علينا أن نتجه صوب كل هذه المقومات التي تجمع الكلمة وترأب الصدع وتؤلف بين القلوب. أما ما يتصل بالروايتين فباختصار شديد فيهما كلام كثير ينبغي أن يكون فهمهما من الموقفين فيما يتصل بميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما يتصل بحادثة مبايعة أبي بكر الصديق وموقف بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ينبغي أن يحمل الجميع على حسن الظن وأن يكون هناك احترام للآراء وتقدير كما قلت للمبادئ المتقدمة. والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

قصة ميراث فاطمة وحادثة السقيفة
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي