سبب ضعف الأمة وسبيل التغلّب عليه

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

السؤال

لا يخفى على فضيلتكم ما تمر به هذه الأمة في هذه الأيام خصوصاً من ضعف في عمومها، فما هو السبب الرئيس لذلك وكيف يمكن التغلب عليه؟

الإجابة

لعل السبب الرئيس هو البعد عن الله تعالى، باختصار يعني، هذه العاقبة، {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}، {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}، هذا البعد عن الله تعالى بصوره المختلفة الواسعة هو الذي أدى إلى ما نرى عليه الأمة اليوم، في الأفراد، في الأسر، على مستوى العامة، وعلى مستوى الدول، شمل الجميع، هناك خلل، والله تعالى يقول: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، لا يعني ما ذكرته أن كل أحد في الأمة فاسد أو ظالم أو كافر، لا حاشا، لكن كما في هذه الآية الكريمة ربما يأتي العذاب العام أو الابتلاء العام بسبب ظهور الفساد مع وجود فئة صالحة في الأمة ولكن قد لا تؤثر وليس لها ذلك الدور في الإصلاح.

وعلى كل حال كما قال الله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، فما دامت الأمة لم تهلك إلى الآن الهلاك العام إذاً هناك أمل إن شاء الله تعالى، وإن كان هذا التنبيه من الله تعالى مؤلماً، فما نعانيه مما يحدث في فلسطين مثلاً وهو صورة لحال الأمة وانعكاس لواقعها من إزهاق للأنفس، وهتك للأعراض، ونهب للخيرات، وانتهاك للحرمات، وغير ذلك مما هو معلوم، إنما هو تنبيه لنا جميعاً، والحمد لله بدأ كثير من الناس ينتبهون، وكم كررت هذا غير مرة بأن الذي حدث في هذه الفترة أغنى عن عشرات السنين من المحاضرات في الدعوة، موقف واحد، صورة واحدة، قد يهدي الله تعالى بها ملايين البشر، هذا الذي يحدث في الغرب اليوم، سواء في أمريكا نفسها، أو في أوروبا، أو غيرها من بلاد العالم، من كان يتصور قبل سنتين؟ من كان يتصور هذا الأمر؟ أن تخرج الملايين من الناس مناصرة لقضية فلسطين، أن يتكلم الناس هناك في أوروبا وفي أمريكا بالكلمات العربية الإسلامية يقولون الله أكبر ما يعرفون معناها لكن يعرفون أنها شعار الإسلام ويقولون الله أكبر، أن ينادوا بحقوق هذا الشعب المستضعف، أن ينادوا بسقوط النظام الغربي العلماني، أن ينادوا بمعاداة الصهيونية، أن يرفعوا الشعارات ضد ما يسمى بإسرائيل، أن يقفوا في مواجهة حكوماتهم التي تؤيد هذا الفكر أو هذا النظام أو هذه الحرب ضد الإسلام أو ضد الفلسطينيين، من كان يتصور هذا الأمر؟ ولم يقتصر هذا على طلبة الجامعات كما كان في بداية الأمر أو على الشباب، بل عمّ مجتمع أو كثيراً من المجتمعات والحمد لله، مع أننا ما فعلنا شيئاً في البلاد العربية والإسلامية أبداً، لا من جهة الإعلام، ولا من جهة الدعوة، ولا بالمواقف السياسية، ولا غيرها أيضاً، إلا شيئاً لا يكاد يُذكر، إذن هذا فعل الله سبحانه وتعالى، الله لطيف بعباده، ينصر دينه ولو تخلّى عنه من يدّعون أنهم أتباعه، {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، وكما قال سبحانه: {ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون}، فهذا حكم الله عز وجل.

فلعله تنبيه من جهة، ومن جهة أيضاً تنبيه أن الأمل لا يجوز أن ينقطع، وأن فعل الخير ولو كان قليلاً فإن الله يبارك فيه، وأن النصر آتٍ لا محالة، لأن بعض الناس ما ترك الدعوة والإصلاح والانتصار للإسلام رغبةً في ترك الواجب، ولكنه أُصيب في نفسه أن جهوده لا تساوي شيئاً، فهو يقول يعني أقف بنفسي أمام تيار عارم، لن أفعل شيئاً، يقف في وادي والوادي جارف ما شاء الله، يقول إيش يرد الوادي؟ ما أستطيع، أو في الشاطئ أو في البحر والموج على مسافة يعني طول عشرة كيلومتر وارتفاع ما أعرف عشرة متر ولا مئة متر، يعني كيف سيصد هذا التيار؟ بلغ بعض الناس هذا الأمر.

قل لا نستطيع، الغرب عندهم القوة الإعلامية والسياسية والعسكرية ويكاد يقول كل شيء يعني، ففقد الأمل، فلعله هذا التنبيه يعيد إلى هؤلاء الأمل، وأن الله موجود، وأن الله ناصر دينه، وأن الفساد لم يعم كل أحد، بل هناك أناس فيهم خير، أيضاً هذه نقطة مهمة، لأن بعض الناس كان يتصور الغرب يعني كلما ذكر هؤلاء الغرب بس يلعنهم ويدعو عليهم، يعني ما هكذا الدعوة يا عباد الله، كلهم ما فيهم خير وكلهم كفرة الله يهلكهم، يعني قل الله يهديهم دي طيبة ما إيش إشكال؟ طيب، لكن لما ظهر أناس فيهم شيء من الفطرة، فيهم شيء من الخير، تتحسن الصورة قليلاً، فهؤلاء يحق لهم علينا أن نوجه إليهم الدعوة، وأن نُظهر لهم حقيقة الإسلام.

يعني من العجب أن أكثر المتأثرين في هذا الأمر من النساء، مع أن أشد حملة توجه إلى الإسلام في مجال إيش؟ النساء، مجال المرأة، يُنشر عن الإسلام في الغرب عن طريق الإعلام الفاسد أن الإسلام يظلم المرأة، وأن هذا الحجاب تشديد، وأن وأن الإسلام في تخلف، في كبح للحريات، وفي ظلم، وإذا بأكثر الداعمين للقضية الفلسطينية الآن، يعني الأكثر الداعمين لقضية المرأة المسلمة للحجاب الإسلامي هن نساء غربيات، ويدخلن الإسلام، لكن إلى الآن مع مضي هذه المدة الطويلة ينكشف ضعفنا أننا لم نزل ضعفاء في توجيه هذه الدفة، في استغلال هذه الفرصة، إلى الآن.

لا زلنا نعيش كما يقال يعني قصة التصوير هذه، قصة يعني الفيل الذي سُجن في زنزانة، فأُغلق القفل، قفل الباب، وكلما أراد هذا الفيل أن يخرج يضرب ما استطاع يفتح، وجاء في يوم من الأيام هذا السجان وفتح القفل يعني وترك الباب بدون قفل، وبقي هذا الفيل مدة طويلة مع السنين ما يفعل شيئاً، الباب مفتوح لكن هو ما عنده خبر، لأن رسخ في ذهنه أن الباب مقفول، فعلى هذا الأساس، في يوم من الأيام فتح وإذا الباب مفتوح، فحال أمة الإسلام أنها تعيش في سجن الضعف منذ مئة سنة أو أكثر، وتتصور أن هذا العدو لا يُقهر، وأن جيش لا يُقهر، وما قادرة تسوي شيء، {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون}، يلا، طيب.

المفتي

الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري
الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري

الشيخ د. عبدالله بن سعيد بن خلفان المعمري (مواليد 1972) محاضر سابق في في كلية العلوم الشرعية بعُمان ومتخصص في القرآن وعلومه؛ تخرج من معهد القضاء الشرعي والوعظ (1994)، ونال الماجستير من جامعة آل-البيت بتخصّص «القرآن وعلومه» ثم حصل على الدكتوراه من جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة. يبدي نشاطًا دعويًا وعلميًا متواصلًا (خطب الجمعة، محاضرات وكتب ومحاضرات مسجّلة على قناته)، أنشأ معهد النجاح للإدارة والتدريب. وله مساهمات في التدريس والبحث في أصول الدين والتفسير. 

📺 شاهد الفتوى

سبب ضعف الأمة وسبيل التغلّب عليه
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي